نُشر المقال في ملحق الثورة الثقافي

تفضّل أحد الأصدقاء الشعراء بدعوتي لحضور أمسيّة تجمعه مع شاعر آخر، وكعادتي، قبل أن آخذ مكاني في أي أمسية، أو محاضرة، أو ندوة، ألقيت نظرة على الحضور، لأحدّد، كعادتي أيضاً، نوعية هذا الحضور وعلاقته بالثقافة، ولاسيّما بعد أن تحوّل عدد من الفعاليات الثقافية لدينا إلى مهرجانات احتفالية، يغدق فيها أنصاف المثقّفين، من أجل اعتلائهم منبراً ثقافياً ما، وبوسائل وأساليب لا صلة لها البتة بما هو ثقافي، الكثير من المال لطباعة بطاقات دعوة خاصة، باذخة، أشبه ما تكون ببطاقات الدعوة إلى حفلات الزفاف، وتزيد نفقات هواتفهم العادية والخليوية بسبب لهاثهم وراء أكبر عدد ممكن من الحضور، الذين غالباً ما يكونون ممّن لا تعنيهم المعرفة من قريب أو بعيد.
وما إن أنجزت ذلك، أي تفحّصي لجمهور الحضور، حتى خيّل إليّ أنّ الأمسية ستنتهي بغيث من الأسئلة، لأنّ الأغلب الأعم من الحضور كانوا شعراء، وكتّاباً في حقول إبداعية أخرى، وأساتذة جامعيين، ومتابعين للحركة الثقافية.
وقرأ الشاعران نصوصاً من إبداعهما، وكان ثمّة سكينة تضوّع سحرها الآسر في أرجاء القاعة، لكأنّ الحضور جميعاً كانوا يمارسون طقساً من طقوس التقرّب إلى الآلهة في معبد فرعوني قديم. وما إن انتهيا، وما إن انتهى مدير الأمسية من دعوته ممّن يرغب من الحضور إلى فتح حوار مع الشاعرين، أو التعقيب بمداخلة مكثّفة حول ما قدّماه، أو سوى ذلك، حتى استباح القاعة صمتٌ رجيم، وكأنْ ما مِنْ أحد قرأ شيئاً، وما من أحد سمع شيئاً. وحين انبرى أحدهم للكلام، وتبعته، محاولين تبديد ذلك الصمت، الذي علّلته بالترجّح بين أمرين: تفوّق أجهزة الإرسال لدى الشاعرين على أجهزة الاستقبال لدى الحضور، أو أنّ نصوص الشاعرين لا تمتلك ما يؤهلها لإثارة الأسئلة، وبعد أن ختمت مداخلتي حول تجربة أحدهما، اندفع أحدهم إلى القول إنّ ثمّة خطأ شائعاً في أمسياتنا الثقافية، هو تلك الحوارات التي تلي الاستماع إلى المادة الإبداعية أو النقدية أو الفكرية، وإنّ على المعنيين بالفعل الثقافي، ومديري الأمسيات والمحاضرات والندوات، نفي هذا التقليد / الخطأ من أمسياتنا الثقافية!!
ولأنّني لم أعتد السكوت على كلّ ما يُلحق الأذى بقيمة الحوار في حياتنا العامة، لا الثقافية فحسب، وعلى ما يخلط الأشياء بعضها ببعض، فيثمّن القبح، ويهجو نقيضه، ويصفّق للأدعياء، ويسكت عن نقيضهم، و.. فقد وجدت نفسي مدفوعاً إلى استنكار هذا النفي، وإلى دعوة المشتغلين بالثقافة جميعاً إلى ترسيخ هذا التقليد، لا لأنّه يجعل الأشياء تقف على أقدامها بدلاً من وقوفها على رؤوسها فحسب، بل أيضاً لأنّه المضاد الحيوي الوحيد الذي يحصّن الثقافة ضدّ تلك الاختلاطات الكثيرة التي تكاد تفترس كلّ ما هو بهيّ وناصع وحقيقي حولنا.
وبعد، وعلى الرغم من ثقتي بأنّ ثمّة مبدعات ومثقفات حقاً في مشهدنا الثقافي، فماذا لو كانت تلك الأمسية لمن ينتمين إلى أمّنا حواء، مهما يكن من أمر السوية الإبداعية أو المعرفية لهن؟ أعتقد، بل أكاد أجزم، أنّ الصمت الرجيم الذي ميّز تلك الأمسية لم يكن ليحدث، وأنّ عدداً غير قليل ممّن ينتمون إلى أبينا آدم، كانوا سيصدّعون القاعة بسيل من المدائح المجّانية، إن لم يكونوا قد تدافعوا، قبل وقت من الأمسية، إلى توزيع بطاقات الزفاف، أقصد الدعوة، علّهم ينالون شيئاً من الأعطيات!!

 

 

Hit Counter