نُشر المقال في ملحق الثورة الثقافي.
العدد (532). تاريخ: 19 / 12 / 2006
ما من أمّة، فيما أعلم، تضارعنا في صناعة الأوثان وعبادتها بآن. وما من أمة، فيما أعلم أيضاً، تشبهنا في ولعنا بتوزيع الألقاب على مَن يستحقّ ومَن لا يستحق.
تلك، كما يبدو، إرادة متجذرة في الشخصية العربية منذ عهود سحيقة، يتواتر الحديث عنها في المدوّنات القديمة التي تفيض بما يشبه المتوالية من الأمثلة الدالّة على ذهنية التوثين التي تكاد تميز تلك الشخصية من سواها من البشر عبر التاريخ.
أجل، نحن أمّة تبرع في صناعة الأوثان، ومن ثمّ في تنويع أشكال تقديسها لها، وإلى حدّ لا يجوز معه الاقتراب من الأسوار المنيعة التي شُيّدت حولها، أو التي شيّدتها حول نفسها. كما نحن أمّة لا تتفوّق عليها أمّة في منح الألقاب المجّانية لأيّ نشاء، أو لمن نريد أن يبدو كبيراً، أو مَن نتوّهم أنّه كذلك.
لقد كانت العقود الثمانية الأولى من القرن الفائت رحماً خصباً لصناعة ”أوثان“ في الثقافة العربية عامة، وفي الإبداع الأدبيّ خاصة، تمّ تكريسها، بإرادات مختلفة وعوامل متعددة، بوصفها علامات فارقة في حقل الإبداع دائماً، أي منذ أوّل عمل أدبيّ لها إلى الآن، ولذلك احتشد إعلامنا، ونقدنا، ومراجعاتنا، وسوى ذلك من وسائط الاتصال، بحمّى التوثين لعدد يكاد لا يتجاوز أصابع اليدين من الشعراء، والمسرحيين، والروائيين، والقاصّين، والتشكيليين، وغيرهم من الكتّاب والمبدعين في غير جنس أدبيّ أو فنّي.
وباستجلاء منجَز معظم أولئك الأوثان، وبقراءتها قراءة محايثة، أي من داخلها وبمنأى عن وطأة الصخب الإعلاميّ الذي برع في صناعتها، أو التي برعت هي في الاستحواذ عليه، وربّما في استئجار بعض منه أحياناً، يخلص المرء إلى أنّ معظم ذلك المنجَز لا يعدو كونه نصّاً واحداً تقنّع بعلامات لغوية مختلفة، وإلى أنّ أجزاء من ذلك المنجَز نفسه أشبه ما تكون بتمرينات في الكتابة لا صلة لها البتة بالإبداع من جهة، وليست سوى كتل من الكلام المرصوف بعضه إلى جانب بعضه الآخر من جهة ثانية.
لقد اكتسب معظم الكتّاب الذين ما يزال يُنظر إليهم بوصفهم ”كباراً“ في الإبداع الأدبيّ العربيّ، أهميتهم من شرطهم التاريخي، أي من المرحلة التي بدؤوا الكتابة والنشر فيها، إذ لم يكن عدد الكتّاب، في سورية على سبيل المثال، في سنوات الخمسينيات والستينيات، يتجاوز أصابع اليدين، ولم يكن ثمة وسيط للمعرفة، وللتسلية أيضاً، سوى الكتاب والصحافة اللذين ظلا، حتى نهاية السبعينيات تقريباً، الواحة الوحيدة، أو التي تكاد تكون كذلك، التي يفيء إليها الباحثون عن المعرفة أحياناً، وعن المتعة أحياناً ثانية.
ولقد صدّق معظم أولئك أنّهم ”كبار“ حقّاً، فتدرّعوا بالصفة التي ألصقت بهم، أي: الشاعر الكبير، والروائي الكبير، والقاصّ الكبير، والمسرحيّ الكبير، و... فتابعوا تصديع الرؤوس، والذائقة، والوعي، بكلّ ما ”تجود“ به ”قرائحهم“ و”عبقرياتهم“، من دون تقدير للإبداع، أو للقرّاء، أو لكليهما معاً. كما تابع بعض الإعلاميين، وبعض النقّاد، وبعض صنّاع القرار الثقافي، الانسحاق تحت وطأة تلك الصفات التي غالباً ما كانت نتاج مرحلة تاريخية جمالية لها سماتها وشروطها الخاصة بها، وربّما نتاج إرادات خارج نصّية، لها أقنعتها ووسائلها الخاصة بها أيضاً.
ومن اللافت للنظر، والمثير للأسئلة بآن، بقاء أولئك في موقع الصدارة من مجمل أدائنا الثقافي، على الرغم من ولادة أصوات إبداعية جديدة أكثر قوّة على غير مستوى في مجال الإبداع نفسه، ومن اللافت للنظر والمثير للأسئلة أيضاً المحاولات المحمومة لبعضهم، ولسواهم ممّن له علاقة له بالثقافة عامة، وعن سابق إرداة وتصوّر، لإقصاء تلك الأصوات وتهميشها، وللاستئثار بمعظم وسائل العمل الثقافي، وإلى حد احتكار تلك الوسائل وبناء جدران منيعة تعوّق ظهور تلك الأصوات، وتدفع بها إلى الظلّ دائماً.
ما من شك في أنّ ثمّة قامات مهمّة في تاريخنا الثقافي، وفي أنّ أجزاء من إبداع تلك القامات، لا إبداعها كلّه، جديرة بالتقدير والتبجيل الدائمين، ولكن ما مِن شك أيضاً في أنّه ما من ”كبير“ في الإبداع.. الإبداع وحده هو الكبير أولاً وأخيراً.