نشر المقال في مجلة "عمّان" الأردنية. بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لرحيله

 

تبدو الكتابة عن الراحل مؤنس الرزاز كتابة عن جيل بأكمله من المثقفين العرب، جيل النصف الثاني من خمسينيات القرن الفائت، الذي وجد نفسه محكوماً عليه بالهزائم المدمّرة والانكسارات المريرة والخيبات الغاشمة والأحلام المسفوحة، كما لو أنه ذلك الهولندي الطائر الذي حكمت الآلهة عليه بالإبحار إلى الأبد، فقضى وهو يراود عنقاء الحلم كي تنهض من رمادها المبعثر في القصيّ من الجهات.

كتاب يضمّ مجموعة من الخواطر، ومجموعتان قصصيتان، وعشر روايات، وأخرى لم تكتمل، وخمس ترجمات بعضها بالاشتراك، ومئات المقالات في صحيفتي "الرأي" و"الدستور" وغيرهما كان نتاج مؤنس الرزاز خلال ربع قرن تماماً. من السنة الثالثة للسبعينيات، أي مع صدور خواطره "مدّ اللسان الصغير في مواجهة العالم الكبير"، إلى السنة الثامنة من التسعينيات، أي مع "اعترافات.. سيرة جوانية" التي كان قد نشر جزءاً منها في مجلة "أفكار" سنة 1998. ومن النكبة إلى النكسة إلى بدايات انهيار المشروع القومي إلى الخروج الثاني إلى مؤتمر مدريد إلى.. إلى حصار العراق كان مؤنس يقارع الخراب الذي يفترس الواقع حوله بالكتابة، وكانت هذه الأخيرة ملاذه الأول وحصنه الأخير للخلاص من وطأة الانهيارات / اللعنة التي تفتك بالهوية، والذاكرة، والانتماء.

وعلى الرغم من غلبة الجنس الروائي على نتاجه، فإنّ تنوّع المجالات التي كتب فيها يؤكّد دأبه في البحث عن وسائل تعبير جديدة دائماً، وفي عدم استسلامه لشكل محدّد من أشكال المقاومة بالكلمة واستنهاض الواقع من مواته الرجيم. وما يعزّز ذلك وما يؤكّده تحوّله من داعية للفكر القومي إلى نصير للفكر الماركسي إلى متبنٍ للفكر الديمقراطي، وانتقاله، بإرادته أحياناً ومرغماً أحياناً أكثر، بين غير عاصمة عربية (عمّان وبغداد ولندن وبيروت) وغير من موقع ثقافي (محرّر في صحيفة الثورة العراقية ومجلة الأفق الأردنية وموظف في مكتبة أمانة العاصمة ثمّ في مؤسسة عبد الحميد شومان الثقافية فرئيس لرابطة الكتّاب الأردنيين ثمّ رئيس تحرير مجلة أفكار، فمستشار لوزراء الثقافة..).

كان مؤنس، كما يشير إلى ذلك أدبه وتحولاته الفكرية والمواقع التي عمل فيها، بركاناً لا يهدأ. يحاول بالكلمة والرأي الحرّ الإسهام مع أكثر أبناء جيله في تحرير الواقع العربيّ من لوثة العطالة التي أجهضت، أو كادت، أحلام الشارع العربي من أقصاه إلى أقصاه. وكان، في كلّ ما كتب وما انتمى وناصر وتبنّى وعمل، المثقّف الشاهد الصادق على عصره، والمبدع الذي ارتضى لنفسه مهمّة الدفاع عن قيم وثوابت لا ينال منها قمع ولا تبدّدها عاتيات الزمن.

ولعلّ نتاجه الروائي، الذي جاء بعد كفاح مرير نسبياً للرواية الأردنية، أي بعد جهود المؤسسين والرواد، أمثال تيسير سبول وفؤاد القسوس ومحمد عيد وسالم النحاس ومفيد نحلة وسواهم، أكثر منجزه الإبداعي تعبيراً عن ذلك القلق المحموم الذي كان يشظّي جحيمه في ذات مؤنس نفسه وفي الواقع حوله. فمن "أحياء في البحر الميت" إلى "اعترافات كاتم صوت" إلى "متاهة الأعراب في ناطحات السراب" إلى "جمعة القفاري، يوميات نكرة".. حتى "حين تستيقظ الأحلام"، التي تُعدّ في الأغلب الأعمّ منها علامات في التجربة الروائية العربية عامة لا الأردنية وحدها، كان مؤنس الرزاز يواجه حمّى السلب والانتهاك للقيم التي أتت، أو كادت تأتي عليها تحوّلات الثمانينيات والتسعينيات، حتى لكأنّ مشروعه الروائي الذي كان يتنامى ويكبر أشبه ما يكون بردّ فعل على واقع يتصاغر ويتقزّم وينتمي إلى سواه ولا ينتمي إلى نفسه. الأمر الذي يمكن تبيّنه في مقاربة ذلك النتاج لمفاصل حاسمة ومركزية من التاريخ العربي الحديث، سقوط المشروع القومي وإرغام المقاومة الفلسطينية على الخروج من لبنان في "أحياء في البحر الميت"، والقمع السياسي في "اعترافات كاتم صوت"، والاستلاب والتبعية في "متاهة الأعراب.."، والشخصية العربية المتناهية في الضآلة في "جمعة القفاري.." وسوى ذلك.

ولئن كان من أبرز ما ميّز ذلك النتاج، وسواه من إبداع مؤنس وكتاباته، حفره في الواقع، وغوصه على الجوهري فيه، بل على أكثر مكوّناته قسوة، فإنّ من أبرز ما ميّزه أيضاً محاولات مبدعه الواضحة في البحث عن أساليب سرد وبنى فنّية وصوغ جمالي وثيق الصلة بإنجازات المرحلة التي صدر فيها، ومعبّر، بآن، عن استجاباته الدائمة لحراك الجنس الروائي وتحوّلاته، ولمثيرات النقد وإنجازاته. وتتجلّى هذه السمة لديه في ذلك التنوّع والتعدّد والغنى في عالمه التخييلي الذي يُعدّ التجديد على مستوى الشكل أجلى الخصائص المميّزة له، والذي تنبّه د. إحسان عبّاس إليه بقوله إنه ما من عمل روائي لمؤنس الرزاز يشبه سابقه من حيث المبنى والتشخيص والتقنية. 

لقد كانت رواية مؤنس الأولى "أحياء في البحر الميت" إيذاناً بولادة صوت روائي له إيقاعه الخاص في المشهد الروائي العربيّ في الربع الأخير من القرن العشرين، وما لبث أن أفصح ذلك الصوت عن حضوره بقوّة في أعمال روائية تالية اتسمت جميعاً بتداخل الواقعيّ بالميتا واقعيّ، والمشخّص بالمجرّد، واليومي بالرمزي، وبوصفها إبداعاً دالاً على مخيّلة نشطة تتحرّش بالواقع وتناوئه وتحاول تعريته وتفكيكه لا لتكشف عن تناقضاته فحسب، بل لتحرّره، عبر الفنّ، أيضاً من الآثام التي تعطّل حركته.

إنّ استعادة مؤنس الرزاز، قاصاً وروائياً ومترجماً وسياسياً، في الذكرى السنوية الأولى لرحيله، استعادة لقيم ناصعة في الحركة الثقافية العربية، وتعبير عن وفاء لمثقّف قلق لم يثنه الخراب المجنون حوله عن المقاومة بالكلمة المبدعة التي تتجاوز فضاءها المحلّي الخاص إلى الفضاء العربيّ الأرحب، الذي تتهدّده الآن، من أقصاه إلى أقصاه ومن الظاهر والمضمَر فيه، أنياب حرب قادمة قد تكون إرهاصاتها الأولى هي التي عجّلت بموت مؤنس ولم يكن قد تجاوز الحادية والخمسين من العمر.

 

Hit Counter