نُشر المقال في ملحق الثورة الثقافي

 
من ”البحصة“، الحيّ الدمشقي القديم، سنة 1931، إلى لندن، سنة 1981، فأكسفورد سنة 1991، فإلى دمشق، غير مرة، أواخر التسعينيات، وإليها الآن، يكون ”شاعر القصة العربية الحديثة“، زكريا تامر، قد أمضى خمساً وسبعين سنة من حياته.
ومن ”صهيل الجواد الأبيض“، إلى ”ربيع في الرماد“، و”الرعد“.. حتى ”تكسير ركب“، قدّم للمشهد القصصي العربيّ نتاجاً قصصياً مفعماً بالمغايرة لما سبق من محاولات للتجريب في القصّ العربيّ الحديث، وبالحنين إلى عالم نقيّ، ومترع بالطهر، وخال من الظلم.
نشر زكريا تامر أوّل قصة له، سنة 1957، في مجلة: ”النقّاد“ الدمشقية، ولم يكد عقد الستينيات يؤذن ببدايته، حتى تحوّل ”الحدّاد الشرس“، بتعبير محمّد الماغوط، من ”مروّض“ للجماد إلى ”صائغ“ بارع لسرد قصصي جديد ينتسب إليه وحده. 
تسع مجموعات قصصية، وقصة طويلة: ”القنفذ“، ومجموعة مختارات: ”أف!“، ونحو خمس مجموعات للأطفال، ومجموعة مقالات: ”هجاء القتيل لقاتله“، وسوى ذلك، رصيد تامر، إلى الآن، من الحفر في واقع مثخن بالقهر، والظلم، والرعب، وعبر سرد باهر في كثافته، وفي طريقة ثأره من ملوّثات البراءة، والطهر، والعدالة، وعلى نحو دال على كفاءة مبدعه العالية في أسطرة الواقع وترهين الأسطورة.
وعلى الرغم من تخلّيه، قبل صهيل جواده الأبيض، عن مهنته الأصلية، فقد ظلّ ذلك الحدّاد، والشرس أيضاً، ولكن، حسب الماغوط نفسه، في وطن من الفخّار. وعلى الرغم، بآن، من أهمية المواقع الثقافية التي أوصلته موهبته الفريدة إليها، من نائب لرئيس اتحاد الكتّاب العرب، إلى رئيس لجنة سيناريوهات أفلام القطاع الخاص في المؤسسة العامة للسينما، إلى رئيس تحرير مجلة ”المعرفة“، ورئيس تحرير مجلة ”الموقف الأدبي“، و”أسامة“، فإنّ ذلك كلّه، وسواه، لم يثنه، يوماً، عن مقارعة الخواء الذي كان يفحّ سمومه المدمّرة في كلّ شيء، فتأبّى على التدجين، ونأى بنفسه، ونصّه، عن التصفيق لكلّ ما هو جدير بالتصفيق، ولكلّ ما هو غير جدير به. وليس أدلّ على ذلك من هجره الحزب الشيوعي بعد سنوات قليلة من انتسابه إليه، ومن جهره، في غير حوار، بأنّ غبطته بالجوائز الأدبية التي حصل عليها، على الرغم من أهميتها، لا تكتمل إلا بولادة عالم نظيف، وهادئ، وممتلئ بالمنطق والعدالة.
قصّ زكريا تامر واقعيّ بامتياز، ومفارق للواقع بامتياز أيضاً. ولا تكمن أهمية ذلك القصّ، وفرادته، في تمرده على المستقرّ والثابت والمتشابه في الكتابة القصصية العربية، بل في عدم خروجه من عباءة أحد من كتّاب القصة العربية أو العالمية، وإلى حد مثّلَ بنفسه تياراً في القصّ، يمكن الاصطلاح عليه، بكثير من الاطمئنان النقدي، بالتيار التامري. ومع أنّ ذلك القصّ لا يتيح للنقد قول سوى القليل حول السمات المميزة له، كالاقتصاد في بناء الحدث أو الأحداث والشخصيات، وكثافة الجملة السردية، وإيحائيتها، وصلتها الوثيقة بالشعر، إلا أنّه يطلق فعل القراءة في فضاءات شاسعة من التخييل والتأويل لا يبلغ أمداءها سوى قصّه وحده.
لقد كانت مجموعة تامر الأولى: ”صهيل الجواد الأبيض“ إيذاناً بظهور كتابة قصصية عربية جديدة، تمّ الاصطلاح عليها فيما بعد بالحساسية الجديدة. ولئن كان من أبرز ما اتسمت به تلك الكتابة خلوّها من الحوافز الحرة، أو الفائض الحكائي، فقد كان من أبرز ما اتسمت به أيضاً وعي مبدعها بأنّ القصّة القصيرة فنّ الكثافة الإنسانية والإبداعية بآن، ولعلّ ذلك ما يعلّل دأبه، على إنجاز قصصه ”بروح صائغ ينكبّ على جواهره ويجلوها بصبر وأناة“.
ومهما يكن من أمر موقفه من النقد والنقّاد، أي تأكيده، في غير حوار معه، أنه لا يهمّه النقد، سواء كان سلبياً أو إيجابياً، بتعبيره، لأنّ كليهما، بتعبيره أيضاً، يضرّ بالكاتب، ومن أمر تشبيهه لنفسه، في هذا المجال، بالأرجنتيني ”بورخيس“، ومن ثمّ تعليله لنأي إبداعه عن فنّ الرواية، كما فعل ”بورخيس“ أيضاً، بأنّ الرواية ”فنّ الثرثرة بامتياز“، فإنّ ذلك لا يدفع النقد المنصف، والجاد، والمخلص للحقيقة، إلى غير القول بالقيمة الباسقة لإبداعه، من جهة، ولتأثيره ”الفادح“ في غير جيل من كتّاب القصّة العربية القصيرة من جهة ثانية.
وبعد، فيا أيها الدمشقي الأصيل.. المشرف الآن على السادسة والسبعين، الذي لم يغرك شيء في الحياة سوى العدالة التي ظللت تطاردها منذ كنت طفلاً إلى الآن، يا خزّاف الكلمات الرهيفة، طوبى لك بما أنجزت، وطوبى للسرد العربي الحديث بما أبدعت.

 

 

Hit Counter