المصادفة، وحدها، هي التي جمعتني بالرجل.

عرّفني مصطفى إليه قائلاً:‏

- الحاج فاضل.‏

مددت كفّي، وأنا أظلّلُ شفتيّ بطيف ابتسامة مجاملة على عادة من يلتقي شخصاً للمرة الأولى.. قلت:‏

- بدر السعدي.‏

فردّ الرجل، وهو يهزّ يدي:‏

- تشرّفنا.‏

قال مصطفى:‏

- جئتَ في وقتك.. كنت في سيرتك مع الحاج قبل أن تصل.‏

من عادتي، وأنت تعرف ذلك، أن أدع محدّثي يقول ما يريد، حتى يكفّ بنفسه عن تحريك لسانه. وهكذا فعلت مع مصطفى، على الرغم من أن كلماته أشعلت رغبتي في سؤاله عن علاقتي  بالرجل، أو علاقة الرجل بي. ‏

أضاف:‏

- أنا والحاج أبناء حارة واحدة.. أقصدُ: كنّا جيراناً في حارة واحدة.‏

ظللتُ لائذاً بالصمت، أراقب الرجل بعينين متلصصتين.

رأيتُ جسداً غائصاً في المقعد، تنبق من منتصفه بطنٌ منتفخة، ومندلقة إلى الأمام... وساقين مرخيتين على طولهما. تلتفّان، عند الحذاء الأسود اللامع فوق بعضهما بعضاً.

رفعتُ رأسي قليلاً، فاصطدمت عيناي بكرة كبيرة على هيئة رأس تحدّده تضاريس متورّمة.. خدّان نافران، ومكتنزان عند لقائهما بالعنق.. جبين ضيّق، يعلوه شعر مصفّف بعناية فائقة إلى الوراء.. ثياب كحلية داكنة.. قميص أبيض، تتدلّى من ياقته ربطة عنق حمراء، مائلة إلى الخمريّ كثيراً.‏

أمسكني مصطفى متلبساً بالتلصّص إلى الرجل، ولذلك قال:‏

- بالمختصر المفيد، زارني الحاج من أجل أن أعرّفه إلى مدرّس.‏

نصفُ الرغبة اللاهثة وراء علاقة الرجل بي تلاشت، وقد أتى مصطفى على نصفها الثاني دفعة واحدة، عندما تابع موجهاً كلامه إلى الرجل:‏

- الأستاذ بدر، مدرّس مشهودٌ له يا حاج.‏

لم يعد الأمر بحاجة إلى تقليب، لكنه لم ينته أيضاً، فأنت تعرف، ومصطفى يعرف، أنّ ما بيننا، الدروس الخاصة و أنا، عداء لا ينتهي. لا لأنني أتوهم كما كنت تقول، أو لأنني، من عباد الله جميعاً الذين يشتغلون بالتدريس، أسدّ جيوبي في وجه النعمة التي تمشي بقدميها إليّ. لا أحد يدور على الفقر بنفسه، ولكن لا أحد، أيضاً، يقبلُ بعمل شيء، يخترع له ما يليق به من شتائم، إلا إذا كان هو نفسه ناقصاً.‏

أردتُ أن أصبّ ذلك كلّه، وغيره، في أذنيّ الرجل.. أحسّ مصطفى بتحفّزي، فغمزني، وقال مدارياً:‏

- قهوة، أم شاي أخي بدر؟‏

- قهوة.‏

”أريد قهوة.. قدماي قادتني إلى مصطفى من أجلها.. كنت قاعداً، في البيت، أفكّر بالدنيا، فاشتهيتها.. قلبتْ أمّ ريمة علبة البنّ على رأسها.. هزّتها، فلم يخرج منها ما يكفي نصف فنجان.. كنت منقبضاً، فافترسني الضيق أكثر.. بصقت على حياة مثل هذه التي نعيشها نحن وأمثالنا.. كل شيء في البيت يصفّر بعد أيام قليلة من بداية الشهر... رأتني أم ريمة أنفخ، فأعدّت لي كأساً من الشاي، ثم أيقظت ريمة، وحطّتها في حضني.. ريمة، وحدها، تفرج شفتيّ حتى لو كانت هموم الدنيا جميعاً فوق رأسي.. شمس على هيئة زهرة بنفسج صغيرة تسكن البيت.. تبدّد بضحكتها الطفولية، ولثغة لسانها، حزني.. تتفتّح كلّما دهمتني هذه الأيام بعتمتها ورائحتها المنفّرة.‏

ريمة ذابلة منذ يومين، وأم ريمة تلاحقني قائلة:‏

- صدر الصغيرة يا بدر.‏

وأنا ألوب من واحد إلى آخر:‏

- أريد مئة ليرة.. ريمة تحتاج إلى طبيب. ‏

والجميع يردّون:‏

- أنت أعلم بالحال، الدنيا آخر الشهر.‏

قالت أم ريمة:‏

- نأخذها إلى مستشفى عام.‏

قلت:‏

- أقفُ على أبواب الجوامع، ولا أفعلها يا أم ريمة. كيف يحمل الإنسان كبده بنفسه إلى مسلخ. المستشفيات العامة مسالخ، الداخل إليها مفقود، والخارج منها مولود.‏

سهرت مع ريمة ليلتين طويلتين.. كنت أبلّل قطعة قطن بالكحول، وأضعها فوق أنفها كلّما ضاق صدرها.. أمسح وجهها بالماء، وأحدّثها بصوت مكتوم: يومان يا زهرة البنفسج، وينتهي الشهر، ونقبض الراتب. لكنّ ريمة كانت تذبل.

ريمة ذابلة، ولذلك لم تستطع إزاحة غيوم الضيق التي تتلبسني، والغصص المزدحمة في حلقي.

ذبولها زادني إحساساً بالاختناق. أردت أن أمشي. أن أنكش أبي من قبره لأقول له: لو أمسكت شهوتك تلك الليلة، لأرحت نفسك وأرحتني. ولكن كيف أقول له ذلك، إذا كانت شهوتنا نحن، أيضاً، لا تنكتم؟

قلت لأم ريمة بعد أول شهوة مثمرة:‏

- ثلاثة أيمان مغلظة تقع عليك، إذا رأيت بطنك منتفخة مرة ثانية. كيف نسدّ فماً رابعاً، إذا كان راتبك يطير إلى المصرف العقاري، وقرض النقابة، وراتبي إلى التسليف الشعبي، والديون؟‏

غادرت البيت. استقبلني الشارع بوجه مقطّب. الضجة المتدفقة فيه زادتني انقباضاً. راقبتُ كائناته: الناس، والسيارات، والعربات. غزت أذنيّ أصوات الموسيقى الصاخبة، والغناء المندفع من دكاكين صغيرة. ضقتُ أكثر. رأيت كتباً مفروشة على الرصيف. قرفصت، وأخذت أقرأ عناوينها، وأقلّب صفحاتها. وقبل أن أنهض، سمعت صاحبها يقول بصوت خفيض، كأنه يحدث نفسه: يا أخي ”لا تبعبص“ بالكتب، إذا كنت لا تريد أن تشتري.

عرفتُ حسّان من صوته، من دون أن أرى وجهه، وعندما استدار، اندفعت يده إلى كفّي بحرارة، لكنها استقرت فوقه ببرود، وكذلك بدا صوته:‏

- أهلاً بدر.‏

كانت عيناه تغصّان بمشاعر مختلفة، كتمها، وقد فهم سرّ النظرة المتسائلة في عيني: كيف تبيع كتبك يا حسان؟ فقال:‏

-أكرم من أن أمد يدي إلى الآخرين“.‏

جاءت القهوة. أخرج الرجل سيكاراً، وقدّمه إليّ، ثم أوراقاً نقدية مختلفة، تتربّع فوقها واحدة من فئة الخمسمئة، وضعها أمامي على الطاولة قائلاً:‏

- هذه دفعة، وكل رأس شهر ألفان.‏

”طاقة فرج، انفتحت في وجهك يا بدر، فلا تسدّها بيديك. الله نفسه لا يرضى بأن يعيش عبد من عباده إنساناً لأيام قليلة، ثم يقضي بقية الشهر مثل القطط التي تلوب على طعامها من مكان إلى آخر“.

أرت أن أقول له: اتفقنا. لكنني بلعتها، حتى لا يظن أن (طرابيشه) امتصت اتزاني.

كأنّه قدّر في حركة لساني المقموعة شيئاً آخر، فقال:‏

- لا نختلف أستاذ.‏

وأضاف، وهو يرخي قدميه إلى الأمام أكثر:‏

- وبعد نجاح البنت لك حبّة بركة.‏

تدخّل مصطفى:‏

-حبّات الحاج كبيرة يا بدر.‏

احتميت بجدار الصمت من جديد. وضع الرجل كفّه على سطح الطاولة. حرّك إصبعه في خطوط متداخلة وهو يدلّني على البيت:

- أوّل الشهباء تماماً. ضع مستديرة الشارع وراء ظهرك باتجاه الغرب، ثمّ درْ بعينيك إلى اليمين. سترى لوحة كبيرة، مكتوباً عليها: ”الواحة“. امشِ، بعدها، عشر خطوات، وستجد نفسك أمام البيت.‏

ثم نهض مستأذناً بالانصراف. فنهضنا، مصطفى وأنا، مودّعين. قال وهو يقدّم لي بطاقة صغيرة:‏

- أنتظرك في السادسة، إذا لم تعرف البيت، فاتصل بهذا الرقم.‏

قرأت البطاقة، فقلت لمصطفى بعد أن عاد من مرافقة الرجل إلى الباب:‏

- صاحبك ميسور.‏

- تحت كل خلية من جسده كومة من أمهات الخمسمئة. لو لم توافق، لكنت فتحت رأسك بهذا الكرسي.‏

غمرتني موجة من الضحك المباغت. قلت وأنا ما أزال مستسلماً لاجتياحها المبهج:‏

- من أين تعرف هذه الأشكال؟‏

- قلت لك كنا جيراناً.. افترقنا بعد البكالوريا. أنا تابعت دراستي واشتغل هو في أعمال مختلفة. طقطقَ، على الخفيف، في البداية، ثم انتفخ كما تراه.‏

وبعد أن صمت قليلاً، أضاف:‏

- هل تعرف؟ صاحبي هذا يفكّ المشنوق من حبل الإعدام.‏

قلت:‏

- شيء طبيعي. ضع الدرهم على الجرح يشفَ.‏

فلوّح مصطفى بكفّه أمام وجهي ساخراً:‏

- شيء يطبع قفاك، وقفا بلد كهذا، الشهادات فيه لا تفكّ سروال صاحبها.‏

باغتتني موجة الضحك من جديد، فتابع:‏

- اضحك يا شيخ. لا شيء يستحق عقدة واحدة من حاجبيك.‏

مصطفى هذا رجل فريد. تعرّفت إليه منذ سنتين. نقلوه إلى مدرستنا القصيّة عن مركز المدينة لطول لسانه كما عرفنا فيما بعد. إذا شرّقت الدنيا وإذا غربت فلا تساوي عنده رجل دجاجة كما كان يقول. جميعاً، في الفرص، كنّا نلتفّ حوله. نكتة من هنا، ومقلب من هناك، حتى تطقطق خواصرنا من الضحك. وعندما كنّا نصمت كان يقول:‏

- اضحكوا. الدنيا بنت حرام، مثل المرأة. إذا أدرت لها ظهرك، ركضتْ وراءك، وإذا تعلّقتَ بها، صدّتْ عنك.‏

مرات كثيرة، فسّرتُ بهجة مصطفى الدائمة بسبب تحرره من الواجبات التي تثقلنا نحن. لا زوجة، ولا أولاد، ولا ديون. وفوق ذلك، فإن ما يدخل جيبه في الشهر، يزيد على ما تشم رائحته جيوب خمسة مدرسين.‏

قلت له مرة:‏

- ماذا يهمّك أنت يا عم؟ أنت تمسك بالبهجة من كل أطرافها.‏

فقال:‏

- أيّ بهجة يا بدر؟ المال؟ كل مال الدنيا على قفا حذائك. البهجة شيء آخر غير ذلك.‏

وتنهد، كما لو أنّ ذكرى قاسية قد غزته. شعرت، آنذاك، أنني نكأت في مصطفى جرحاً غائراً، لم أشأ أن أعرف ما هو، فصمتُ.

استقبلتني أمّ ريمة ببرود، وثمة دهشة معلّقة في عينيها من دخولي البيت هاشاً باشاً، على غير عادتي.

نثرت أمامها نقود الرجل.. طيّرتها في فضاء الغرفة، فتطاولت الدهشة في عينيها، وأخذت تلاحق الأوراق الساقطة على الأرض كمن صفعته مفاجئة، فكمُنَ جامداً لا من يده، ولا من فمه. قلت:‏

-اقعدي يا أمّ الريم.‏

فاستسلمت لدعوتي ببرود أيضاً.. حكيت لها قصة الرجل. ظننت أنها ستأخذني بين ذراعيها. ستمطر خديّ بالقبلات، وستكفّ عن القول:‏ (طوال عمرك قليلة حيلة. فلقتني وأنت تتحدث عن الذين يسرقون الطلاب. أنا أقول لك إنّ كل الذين يشتغلون في المتعوسة مهنتك يدبّرون أمورهم. يقدّمون لزوجاتهم، لو طلبن، لبن العصفور. وأنت تجلد أذنيّ بلقمة الحلال. تقول: هؤلاء لصوص على سنّ ورمح، لصوصيتهم واضحة مثل شمس في عزّ النهار. يعطون للطلاب، في الصف، من الجمل أذنه، حتى يجبروهم على الركض وراءهم من أجل دروس خاصة).

لكنّ الدمعتين اللتين طفرتا من عيني أم ريمة قالتا غير ذلك. هي أيضاً قالت غير ذلك.‏

-لم تعد تنفع.‏

(ما الذي لم يعد ينفع؟ أنا؟ أم نقود الرجل؟).

حدّثت نفسي، وأنا مأخوذ بدمعتيّ أم ريمة اللتين فاضتا أكثر، وهي تتابع بصوت مخنوق:‏

-ريمة في المستشفى.‏

سقط الخبر على رأسي كالمطرقة. شطره إلى نصفين.. نصفين ممتلئين بعقارب جائعة، مصّت دمي حتى آخر قطرة منه، وصوت أم ريمة المخنوق، يفترس أذنيّ:‏

- تركتها مع أمي في المستشفى، وعدت إلى البيت، أنتظرك.‏

في المستشفى، دفنت رأسي في وجه ريمة، وبكيت كالأطفال.. شممت زهرة البنفسج الذابلة، فنفذت رائحة الأوكسجين الشديدة إلى أنفي. دفعتني الطبيبة عنها قائلة:‏

- دبّر هذه الوصفة من السوق.‏

تآكلت قدماي وأنا أبحث عن الدواء. درت صيدليات البلد كلها ولازمة (ما في) تلاحقني.

رجل لا أعرفه، في آخر صيدلية وصلت إليها، وبعد أن كرر الصيدلي اللازمة، قال لي غامزاً:‏

- هات الوصفة أستاذ.‏

أعطيته الوصفة، فتابع: الحقني.

في مكان قريب من الصيدلية قال:‏

- ثمن الدواء ستون ليرة، أدبّره لك بثلاثمئة.‏

- وفوقها حبّة بركة.‏

غاب بعضاً من الوقت، حسبته دهراً، وقبل أن يدفع بكيس الدواء إليّ قال:‏

- حبّة البركة أستاذ.‏

أعطيته عشرين ليرة فوق المئات الثلاث، فردها قائلاً: قليلة. زدت فوقها عشرة أخرى، فكرر: قليلة.

اجتاحني غضب مشتعل. تمنيت لو تتحوّل أصابعي إلى حراب حادة، لأغمدها في صدره.

رأيته بعينيّ يدخل الصيدلية نفسها، ومنها يخرج وبيده كيس الدواء.

صببت شيئاً من ماء الهدوء فوق نار الغضب المتأججة داخلي. دفعت إليه بعشر ليرات أخرى، وأنا أسوطه بنظرة شاتمة، لكنه لم يهتز. ظل ممسكاً بالدواء. زدت عشراً، فتدلّت من شفتيه ابتسامة بلهاء، وقال:‏

- بالعافية أستاذ“.‏

قبل السادسة بدقيقتين كنت أقف أمام لوحة رخامية معلقة على باب حديدي عريض. قرأتها:

فاضل الشمعدان

تعهدات عامة

قادني الباب الحديدي إلى ممرّ واسع، ترصف أرضه حجارة من المرمر، وتشعّ من خاصرتيه، في الأعلى، أضواء حمراء، يتصدّره باب خشبي مزدحم بمعقوفات مزينة بلون ذهبي متوهج. ضغطت عين الجرس، فاستقبلني الرجل بعباءة بيضاء، وابتسامة موزونة. وبعد أن أسلمني إلى غرفة مواجهة للباب، اعتذر قائلاً:‏

- عن إذنك.. لديّ ضيوف.. سأنادي رهف حالاً.‏

أرخيت جسدي المكدود من اللهاث وراء الصيدليات فوق مقعد وثير. باغتتني نسمات باردة منسابة من جهاز مثبت في بطن الحائط المقابل، استطاعت أن توقف نزيز العرق المندفع من خلاياي. استسلمت لنعومتها، وعيناي تطاردان أشياء الغرفة الآسرة. اقتحمني ضيق مفاجئ، أفلتَ سيف الذكريات المثلّم من غمده:

”سنتان، وأم ريمة تقول لي:‏

- قبر على الحياة هذا البيت. قبو مخنوق، ترشح الرطوبة منه. صدر ريمة معلول لأنه لا يشم رائحة الشمس“.‏

دخلت رهف. عرفتها لأنّ مصطفى قال لي إن الحاج ليس له أولاد غيرها. ضنّ رحم زوجته بالخلفة بعدها.

صبية ممشوقة، ترتدي بنطالاً ضيقاً يكشف عن قامة فاتنة.‏

”ساقا ريمة مقوّستان، قال الطبيب بعد أن رآهما:‏

- البيض والحليب هما الحل، والشمس أيضاً.‏

ريمة تأكل البيض، وتشرب الحليب لأيام قليلة، ثم تصوم عنهما بقية الشهر. تضيّق عينيها عندما تسقط الشمس فوق وجهها خارج البيت، وفي البيت تتسوّلها من النوافذ الضيقة المتطاولة، الموازية لرصيف الشارع“.‏

لرهف وجه صاف، وشعر مسترسل تطير خصلات منه كلما لامسته موجات الهواء المنسابة من الجهاز المثبت في الحائط.‏

”لريمة وجه مصفّر دائماً، قال الطبيب عندما رآه:‏

- العلّة فقر دم“.

قدّمتْ رهف لي فنجاناً من القهوة. جاءت به على صينية مذهبة فوق عربة صغيرة، ثم قطعاً كبيرة من الحلوى.

”قبو، قبر، رطوبة، ريمة، شمس، حلوى، رهف.

رهف طائر من سعادة صافية، يحلّق وحيداً في جنة واسعة فيها شمس، وهواء، وحلوى“.

سألتني رهف، وهي تراقب عينيّ المحملقتين في الثريّا:

- أعجبتك أستاذ؟‏

ظللت صامتاً. أحسست بأنّ دواراً قاسياً يعصف برأسي. موجة تطوّح بي، وأخرى تشدّني إلى القاع. قاع عميق. اتسعت عيناي فيه: رأيت حيتاناً وأسماكاً صغيرة، ونباتات تهتز.

هزّتني حركة رهف المفاجئة، وصوتها الضارع. ظننت أن عقرباً لسعتها، لكن الحمرة التي وردت وجهها قالت غير ذلك. قالت بفرح كمن يقبض على شيء غال:‏

- المسلسل.‏

- خير؟

فردّت بفرح أكثر:‏

- المسلسل.. ألا تراه أستاذ؟ يجنن. سأضع شريط الفيديو، وأعود.

وهي تغادر الغرفة رأيت ضيوف الحاج. عرفت منهم الرجل الذي باعني دواء ريمة بثلاثمئة ليرة وأربعين حبّة بركة.‏

”قبر، قبو، رطوبة، ريمة.. دوار..“.

قالت رهف وهي تدخل الغرفة:‏

- نبدأ الدروس أستاذ؟‏

- نبدأ.‏

- أي درس أستاذ؟‏

- الأفعال الناقصة.‏

 

Hit Counter