|
قالت أمّي:
- الذي ما مِن ثوبك ليس لك.
ثمّ بكت بمرارة.
كانت تستجديني ألا أفعل.. استحيت الشمس.. توارت خلف سحابة كثيفة، ولم تعد الغيوم حبلى بالمطر.. تضاءلت الكائنات.. تقزّمت.. كبرت مساحات صفراء هشيمية.. كنت مستعداً لأن أعطي كلّ شيء.. حزمت ما لديّ، ودفعت به إلى الساحة.. كنت وحيداً.
"في عينيك لغة لا أبجدية لها.
كلّ مساء أتزوّد هذا الألق الصاخب في خدّيك المكتنزين بحمرة الشفق.. أجدل ضفائرك مواسم حبّ وأغنيات، وأقول:
- سنلتقي ما دامت للأرض جهات أربع.
يا سيّدة الأفراح تعالي.. زمني صدئ بالأحزان.. كوني كفّ مسيح، عن وجهي تمسح كلّ ندوب العمر وجدريّ الأيّام".
قالت أمّي:
- الذي ما من ثوبك ليس لك.
"أسمّيك يا وفاء حلماً خارجاً على القوانين.. يتجاوز كلّ الأعراف والتقاليد، وأحلم بيديّ تنامان في كفّيك المحشوتين بالغار والياسمين".
قال أبي:
- أنت تقامر.
"كنت أقترف فعل الرهان أوّل مرة.. أمسكتُ بكفّ وفاء.. تخاصرنا.. أحسست بدفء كبير يسري داخلي.. كانت الشمس تسكن جسدي، وكانت وفاء تمنحني كلّ شيء".
يغطّي الجدران ورق ملوّن لامع، وتتدلّى من السقف ثريّات كبيرة.. المقاعد المخملية الشاسعة يتسع الواحد منه لثلاثة مثلي.. قالت أم وفاء وهي تصوّب نظرتين هرمتين إليّ:
- خمسون ألفاً مقدّماً.. خمسون ألفاً مؤخراً.. وخمسون ألفاً نشتري بها ذهباً.
كنت أرسم في عينيّ وفاء حلماً أخضر.. وعداً.. ربيعاً، وعينا أمّي كانتا تحطمان الجدران.. تشيح بوجهها الأسمر الدافئ كأنها لا تريد أن تكون شاهدة على ما يحدث.
أسدلت وفاء جفنيها الملوّنين.. دسستُ في أصبعها خاتماً، ولوقت تلذذت بلمس يديها.
قالت أمّي:
- لنمش.
مشيت.. قفزت بفرح.. بدت لي المدينة مهرجاناً من الأضواء.. تملأ عينيّ بضوء حنون يبدّد الفاصل بين الحيّ الشعبيّ الذي أسكنه والحيّ الذي تسكنه وفاء.
جميع مَن كان يعرفني كان يداري عينيه لكي لا يرى ما يحدث.. ما يحدث كان يعني لي أنّ الحياة تتزنّر بالبنفسج، وأنّ كلّ شيء بهيّ يتوشّح وجه وفاء الأرجواني.
"أجدك تخرجين كعرائس البحر من بين أهدابي.. صافية كقطرة ندى، وعذبة كهذا المساء.. يا فرح العشب بالمطر، ويا ألوان قوس قزح حين تزغرد الألوان.. أيتها القادمة من ساحات الألق القصيّ.. المغزولة دفئاً.. المبرعمة كزهرة.. كيف أسمّيك وأنا أجدك في كلّ الأسماء.. في وجوه الناس الذين أحبهم، وفي عيونهم التي تبدو لي كالمرايا، ثم أراك عروساً، كسندريلا الأسطورة، ترقصين، فتمنحين العالم فرحاً لا يوصف".
قذفني الرجل البدين بنظرة شامتة، وابتسم لوفاء التي تقف معه.. قلت لنفسي: (لا بدّ أنني أحلم).. نفضت رأسي بحركة قوية كعصفور مبلل.. نظرت إلى وجهي في بقعة الماء الراكد.. رأيت رأسي ينوء بحمل كبير، وعيوناً غريبة تنغرز فيه.. تقاربت أغصان الأشجار.. تشابكت.. سمعتُ عويلاً.. كان جسد السماء ينزّ دماً أسود، وكنت ما أزال أبحث عن وجهي في مستنقع الماء.
قالت له:
- أريد زفافاً لا تنساه المدينة.
اتشحت الكائنات بإزار ضبابيّ.. كانت أسراب السنون ترسم دوائر ضيّقة في الفضاء، وكلّ ما حولي يبكي بصوت جنائزي. قال لها:
- سأشتري لك كلّ المدينة.
سقط زغب إلى الأرض.. مالت أغصان الأشجار.. لامست جسدي.. غطّت وجهي.. لم أعد أرى شيئاً.
"يتآكل جسدك.. يصدأ.. يتهرّأ.. صحراء كبيرة، ولا شيء سوى صداك.. حتى حينما حاولت أن توهم نفسك صحوت أخيراً لتجد أنّ كلّ ما حولك دخان، وأنك كنت تحلم. حتى وفاء التي كنت تمرح كالأطفال في مدائن وجهها، وترسم فوق شفتيها خرائط لأعياد كنت تتمناها، تخونك.. كلّ شيء يخونك.. كلّ ما حولك مقنّع، ولزج، ولا وجه حقيقياً له".
قالت أمّي:
- الذي ما من ثوبك ليس لك.
قال أمين، صديقي:
- كلّما علا الموج كثر الزبد.
قالت نورا:
- قلت لك.
غصّ حلقي بكلمات متدافعة.. أخرجت وفاء الخاتم من أصبعها.. أعادته إليّ.. كنت واجماً.. يداها لم تعودا شهيتين.. هذه المرّة لهما برودة الصقيع.. يتساقط شقائق النعمان من خديّها، ويحتكر الكرز في شفتيها رجل بدين.
قال أمي:
- ما تزال الأرض تدور.
"قلت: وفاء زورقي. وقبل أن أمسك به رفعتني موجة عاتية إلى أعلى ثم ألقتني في الفراغ، وكان يجب أن أتابع.
قلت: هذه نقطة الضوء في زمن حالك. وعندما كنت أمشي إليها بقوّة مادت بي الأرض، وتفجر زلزال عنيف، ثمّ غشّى العتم عينيّ.
قلت: لا بد أن أتابع. تسرّبت الشمس إلى جسدي.. رأيت يداً بيضاء تلوّح لي من بعيد.. اقتربت أكثر، ثم أخذت تمسح عن وجهي زمناً موبوءاً بالطبقات، وترسم خواتم، وزوارق، ورايات".
|