|
عقف أبو صخر شاربيه.. رفع نهايتهما إلى أعلى.. تناول مسدّسه.. قلّبه بين كفّيه، ثمّ دفع به إلى صخر قائلاً:
- رحاب يجب أن تموت، الكلبة فعلتها.
دار همس كثير.. شكّلت نساء القرية حلقات.. تجمّعت الصبايا عند عين الماء.. قالت مريم:
- رحاب هربت.
علّقت زهرة:
- بنت "أبو صخر" تهرب؟
بصقت أم زهرة، العجوز المتآكلة، ثمّ قالت:
- بنات آخر زمن.
يقولون في القرية إنّ "أبو صخر الدايس" يملك أراضي كثيرة، وكروماً، لكنهم حين يتحدثون عن أسرة "نايف"، فهم يصفون تلك الليالي الطويلة التي يقضيها الجميع في دارهم ونايف مثل شمعة تبدّد عتمة الصمت كلّما دهمت الغرفة.
ويقولون أيضاً إنّ "نايف" تقدّم لأبي صخر يطلب يد رحاب، فهدّده أبو صخر بقوله إنه إذا عاد ثانية إلى الحديث في هذا الموضوع، فسيلفظه مع أسرته خارج القرية كالنواة، وتابع:
- أنت تصاهرني يا بوم الشؤم؟ طوال حياتكم أجراء عندي.
صباح تلك الليلة التي غادرا فيها القرية عثر أهل رحاب على مجموعة من الرسائل.. يقول عبد الرحمن الذي قرأها لهم إنّ وجنتي "أبو صخر" تقدّدتا.. ذبل جسده مثل نبتة شوكية هرمة، بصق في وجه صخر.. صرخ:
- والكلبة حامل؟
يؤكّد جميع الذين رؤوا "رحاب" في ساحة المدينة وهي تغرق بدمائها، يؤكدون باندفاع أنّ الدماء تجمّعت مع بعضها بعضاً.. تفرّقت.. ثم رسمت على الأرض عبارة: "أحبّك يا نايف". وبعد أيّام أشيع في القرية أنّ "نايف" شوهد فجر اليوم التالي الذي دفنت فيه وهو يغرس شجرة بنفسج صغيرة، ويقولون إنّ "رحاب" كانت تحبّ البنفسج كثيراً.
في الليل سمع أهل القرية صوت طلق ناريّ، وفي الفجر وجدوا جثّة "نايف" فوق قبر رحاب.
أكّد الطبيب الشرعي الذي فحص الجثة أنّ رصاصة واحدة اخترقت صدر "نايف" جهة القلب، فمات على الفور. أمّا الرجل الذي تولّى التحقيق في الحادث فقال إنّ الرصاصة كانت من النوع نفسه الذي استقرّ في رأس رحاب.
تقول صبايا القرية إنهن أفقن صبيحة يوم ماطر على صوت ريح عاصفة، ويؤكّدن:
- سمعنا حفيف شجرتين باسقتين في مقبرة القرية، تتعانقان نهايتاهما بدفء وهما ترسمان اسميّ رحاب ونايف في صدر السماء.
عقف أبو صخر شاربيه.. رفع نهايتهما إلى أعلى.. صوّب رجال الدرك بنادقهم إلى صدور الرجال المتدفقين نحوه.. مدّ أبو صخر يده إلى صخر.. دسّ في كفّه شيئاً، قال:
- أنت رجل القرية يا صخر.
تدفّق رجال آخرون من الكروم المجاورة.. نساء كثيرات.. صبايا.. سوّرت قاماتهم المكان، ثمّ التهم هدير الجميع سماء القرية التي كانت تحتشد بالغيوم.
|