|
اندفع عبد الرحمن العسّاف إلى محمود الفيل، وهو يرفع قبضته
في الهواء، ويصوّبها نحو وجهه.. أمال الفيل رأسه بحركة
خاطفة، فارتطمت قبضة عبد الرحمن بكتفه.. أمسكه الفيل بيدين
غاضبتين.. رفعه إلى الأعلى، ثم كوّمه على الأرض مثل كيس
صغير من الرمل، وعندما قذفه عبد الرحمن بشتيمة كبيرة في
أمّه، مدّ الفيل يده إلى حجر قريب منه، وكاد يدك بها كيس
الرمل المتكوّم بين قدميه.
تخلّصت من الدهشة التي استعمرتني، وأنا ألاحق المعركة
المباغتة التي نشبت بينهما.. أمسكت الحجر من يد الفيل..
صرخت به، ثم دفعت أحدهما عن الآخر.. نهض الفيل من دون أن
يقول شيئاً، أمّا عبد الرحمن فقد كانت عيناه تقدحان نظرات
مشتعلة، كأنّ بها رغبة جامحة لحرق الجسد المتورّم المنتصب
أمامها.
كانت كلمة "ابن ناجية" تثير في رأس عبد الرحمن هوجاً
طاغياً، كان ما إن يسمعها من أحد، حتى يندفع إليه.. يكوّر
قبضته.. يرفعها في الهواء، ثم ينقض مثل صقر غاضب.
â â â
قبل ليلة واحدة من زواج "ناجية" قالت أم شعبان، وهي تفسّر
شباب الشيخ "عبو" الدائم:
ـ العين التي لا تصلّي على النبي، تطقّ وتنبق.
وأضافت بعد أن رأت عيون النساء الملتفّات حولها جاحظة:
ـ أكل، ومرعى، وصنعة تبيض ذهباً.
شباب الشيخ "عبو" يكشفه وجهه الأبيض المائل إلى الحمرة،
الخالي من التجاعيد، وعيناه المكحولتان، ولحيته القصيرة
المهذبة الأطراف.. لحية سوداء، لا يتخلّل الشيب شعرة واحدة
فيها على الرغم من أن صاحبها يمشي نحو الخمسين.
أما صنعته التي تبيض ذهباً فهي تفعل ذلك من الزاوية التي
ينصرف إليها دائماً.. تأتيه نساء الحارة، والحارات الأخرى
كلما وقعت إحداهن في ورطة.. الشيخ يفكّ السحر لهن،
ويعقده.. يُدخل المرأة، صاحبة الورطة، إلى غرفة صغيرة في
البيت.. الزاوية كما تسميها أم شعبان، وعندما يخرجان
يزوّدها بقطعة جلدية مثلثة الشكل.. تعلّقها المرأة في مكان
محدد من جسدها.. تحت إبطها، أو بين فخذيها، ثم تعطي الشيخ
ما تيسر في كفّها من نقود.
الشيخ، على ذمة أم شعبان التي نفضت ذيل ملاءتها وهي تقول
ذلك، من الزاوية إلى الصلاة، ومن الصلاة إلى الزاوية. أمّا
ما يلزم البيت من أغراض، فقد كانت "حسيبة"، زوجته الأولى،
هي التي تتدبر ذلك.
â â â
لم يكن أحد في الحارة كلها يعرف عن حسيبة شيئاً. ولم يرها
أحد، أيضاً، من نساء الحارة اللواتي كن يجتمعن في بيت
إحداهن في الصباح، ويأخذن في حديث طويل يمتد إلى وقت عودة
الرجال من أعمالهم.
أم شعبان قالت:
ـ وراء حسيبة سر لا يعرفه إلا الله، والشيخ، وحسيبة.
وعلى الرغم من أن النساء فكّرن بسرّ "حسيبة"، فإنّ ذلك لم
يدم طويلاً، إذ سرعان ما نقلت إليهن أم شعبان خبراً وقع
على آذانهن كالصاعقة:
ـ الشيخ عبو سيتزوج.
وعندما سألتها النساء عن الوافدة الجديدة إلى بيت الشيخ،
قالت:
ـ اصبرن على أختكن أم شعبان يومين أو ثلاثة.
بعد يوم واحد فقط، قالت:
ـ أمينة.
جحظت عيون الحاضرات.. سألت إحداهن:
ـ أمينة زوجة سليم العتّال يا أم شعبان؟
ردّت أم شعبان، وعيناها المسوّرتان بالتجاعيد تلتمعان
بابتسامة كبيرة:
ـ أمينة مطلّقة سليم العتال يا عيون أم شعبان.
جحظت عيون النساء أكثر.. دارت.. وكل واحدة منهن تطلّعت إلى
جارتها.. لاحظت أم شعبان ذلك، فقالت:
ـ أتردن عنباً أم قتل الناطور؟
ردت النساء بصوت واحد:
ـ عنباً يا أم شعبان.
أرخت أم شعبان قامتها المتهدلة فوق الحصيرة.. بسطت
قدميها.. قالت بزهوّ:
ـ القصة يا عيون أم شعبان أن أمينة و"سليم" بعد زواجهما،
أخذا يترددان إلى زاوية الشيخ.. أمينة قالت إن الشيخ يصنع
لها حجابات كي تحمل من سليم.
قاطعت إحدى النساء أم شعبان ضاحكة:
ـ لكي تحمل من سليم؟ أم لأن "سليم" لا يشبه الرجال؟
ـ العلم عندك يا كبد أم شعبان.
تورّد وجه المرأة.. أخرجت أم شعبان من تحت ملاءتها السوداء
علبة تبغ.. أشعلت سيجارة، وعندما بدا لها أن كلماتها أرتجت
فم المرأة، تابعت:
- بعد شهر صارت أمينة تذهب إلى زاوية الشيخ "عبو" كل
يوم تقريباً، وفي غياب سليم.
وصمتت قليلاً.. مسحت بنظرة دائرية وجوه النساء اللواتي كنّ
ساكنات، كأن طيوراً تقف فوق رؤوسهن، وأضافت:
ـ كأنّها ذاهبة إلى ليلة عرسها.
اتسعت عيون الحاضرات.. نفرت منها نظرات مستغربة.. قالت
صاحبة البيت:
ـ اتقي الله يا أم شعبان.
وقالت ثانية :
ـ خافي على المستورات عندك يا أم شعبان.
أقسمت أم شعبان برأس شعبان، ثم:
ـ بعينيّ هاتين اللتين سيأكلهما الدود، رأيت أمينة تدخل
الزاوية والأحمر يغطّي وجهها.
وبعد أن نفخت دخان سيجارتها، وأخذت تراقب حركته المندفعة
نحو السقف مثل أفعى تتلوى على إيقاع أحد الحواة، قالت:
ـ بعد ذلك حلف سليم على أمينة بالطلاق.. سمعته يقول للشيخ
: "أنا سأعرف كيف أنتف لحيتك يا شيخ الزاوية".
بعد شهرين من الصاعقة التي التي ساطت بها أم شعبان آذان
النساء، استطاعت أم شعبان أن تشعل جلسة إحدى الصباحات..
قالت:
ـ لكنّ أم للديب؟
ردّت النساء بصوت واحد:
ـ يخسأ أبو الديب يا أم شعبان.
ـ افتحن آذانكن.
فتحنها، فمدّت أم شعبان قامتها التي زادت تهدّلاً، وقالت:
ـ الشيخ سيتزوج.
وقبل أن تسألها النساء عن الوافدة الثالثة إلى بيت الشيخ
قالت:
ـ ويومان أو ثلاثة، وأعرف لكنّ من هي.
بعد يوم واحد فقط، كعادتها، قالت:
ـ ناجيّة.
سقط اسم "ناجية" على وجوه النساء، وفي آذانهن كسوط غليظ،
ولم يفقن من وقعه على الرغم من أن أم شعبان أقسمت:
ـ ورأس ابني شعبان ناجية.
وعندما رأت أن آثار السوط ماتزال بادية على وجوههن، قدّرت
أنهن لم يصدقنها، فقالت:
ـ أم شعبان لا تكذب يا نسوان.
ولم تكد تتمّ كلامها، حتى ثقبت الزغاريد الباهتة المندفعة
من بيت أهل ناجيّة آذان النساء، ولذلك فقد علَت وجه أم
شعبان ابتسامة منتفخة، ورددت متباهية:
ـ أم شعبان لا تكذب.
قالت إحدى النساء:
ـ ناجية مخطوبة إلى ابن عمها يا أم شعبان.
قالت أم شعبان، والابتسامة المنتفخة تزداد تورّماً فوق
شفتيها:
ـ ابن عمّ ناجية تزوج من شهر يا روح أم شعبان.
لم تكن واحدة من نساء الحارة تعرف كيف تحصل أم شعبان على
كلّ تلك الأخبار، وكنّ قد اتفقن، مرّة، أن يقلن لها بعد أن
تنقل إليهن خبراً:
ـ بائتة يا أم شعبان.. نعرفها.
إلاّ أن أم شعبان ضحكت حينها.. قلبت على قفاها العريض وهي
تضحك:
ـ سلامتكن يا نسوان الحارة، أنتن لا تعرفن شيئاً.
â â â
"اشتعل رأس ناجية قهراً عندما قال ابن عمّها:
ـ كل شيء قسمة.
أرغت الصبية، وأزبدت، وحلفت ألاّ تتركه يهنأ في حياته بعد
أن ضيّعت شبابها في انتظار عودته من "الكويت"، وازداد
قهرها توقداً عندما علمت بزواجه، ومن يومها صارت تتردد إلى
زاوية الشيخ "عبو".. في البداية مع أمّها، ثم وحدها. ولم
يمض شهر حتى زفّت إلى الشيخ بدلاً من أن تقضّ حجابات الشيخ
حياة ابن عمّها".
أسفت النساء على صبية تدفع ببقية شبابها إلى فراش رجل له
زوجتان، قلن:
ـ ناجيّة سر جديد في بيت الشيخ.
أم شعبان وحدها قالت:
ـ العين التي لا تصلّي على النبي، تطقّ وتنبق.
â â â
خيّمت رطوبة باردة على صباحات النساء.. في الشهر الخامس من
زواج ناجيّة، نفثت أم شعبان النار قائلة:
ـ سمعت ناجية تقول للشيخ: "ذنب الكلب أنظف من لحيتك يا شيخ
الزاوية".
وعندما سألتها النساء عن السبب، فإنها لم تستطع أن تجيبهن.
كما لم تستطع، بعد أسبوع، أن تعرف لماذا حلف الشيخ على
ناجية بالطلاق وهي حامل.
â â â
في الحارة، لم يكن أحد ينادي عبد الرحمن باسمه.. الجميع
كان يقول: جاء ابن ناجية.. راح ابن ناجية. ولم يكن عبد
الرحمن يردّ إذا كان من يفعل ذلك كبيراً. أما إذا كان من
جيله، فقد كان يكوّر قبضته.. يرفعها في الهواء، ثم ينقض
عليه مثل صقر غاضب.
|