(1)

على أصدقاء "هدير" الالتحاق بـ"نظام" فور سماع هذا النداء.

على أصدقاء "هدير" الالتحاق...

على أصدقاء...

 

(2)

الأيام القليلة التي مضت كانت مثقلة بالحوارات الساخنة.. كان أقرب شيء لنا المذياع والصحف اليومية.. كنّا ننتقل بين المحطّات على عجل، ونلتهم الأخبار بشراهة.

قال فوّاز:

- الحرب تغيّر كلّ شيء.

الصمت الذي كانت تبدأ به لقاءاتنا كان ينفجر عن حوارات حارة، وطويلة:

- هذه ليست حرباً.. هذه جهنّم.

- كيف نسمّيها حرباً؟

- أنت تكبّر الأمر يا ماجد.

- ماجد معه حقّ يا فوّاز.

- أيّ حقّ يا خليل؟

خليل يصغرنا بسنوات ليست كثيرة، لكنه كان أكثرنا هدوءاً.. هذه الحميمية التي تصلنا به لم يكن أحد ليقدّرها إلا عندما كانت الأمور، بيننا، تصل إلى مداها. استطاع، اليوم، أن يصادر الضجيج الذي كنت أملأ به المكان.. حوّل صخبي المتدفّق إلى سكينة.. قال:

- رؤى تسلّم عليك يا ماجد.. قالت إنها تريد أن تراك قبل أن تسافر.

 

(3)

"الحرائق تلتهم بيروت.. ترقص القنابل فوق جثث الأطفال.. تتشح الشوارع بالسواد.. كلّ الأنقاض المتداعية تتآلف.. لماذا لم تنطق الأحجار كلّ هذه السنوات وتجيد الآن أبجدية الصعود من الموت؟..قطع الإسرائيليون الماء والكهرباء، واغتالوا أرغفة الخبز التي تحاول القفز فوق الحواجز.

يطلع الرجال من الصخور والأشجار.. كلّ الكائنات في زمن الحرب لا تعرف سوى منطق الرصاص.. النسوة، والأطفال، وأصابع المولودين صباح كلّ يوم جديد.

المحن وحدها تكشف الأقنعة يا صديقي، والحرب وحدها الكفيلة بالتمييز المتصوّفة للأرض من الملحدين بها.. تحبل مخيمات اللاجئين بعشرات البنادق، وبيروت حرّة.. تجوع ولا تأكل بثدييها.. سلّم لي على رؤى.. لم يتح لي أن أراها قبل سفري إلى بيروت.. اشتقت إليكم جميعاً".

 

(4)

تسحب الشمس ذيول ردائها الأرجواني، وهي تعانق أفق البحر.. الكتيبة حركة لا تهدأ.. آليات، ومدافع، ومقاتلون لا يعرفون الهدوء إلا قليلاً.. ما تزال عيناي ساهمتين في امتداد الشمس الحارة فوق وجه الموج.. في زمن الحرب لا شيء يكون خارج المعركة يا رؤى.. يصبح التراب الخلايا التي تكوّن أجساد المقاتلين، وقطرة الدم الواحدة تنجب ينابيع غزيرة تروي الأرض، والشمس.. حتى الشمس يا رؤى ترفض أن تكون وادعة في زمن الحرب.

النقيب نظيم كلّفني اليوم بقيادة سرية الدبابات.. ابتسمت، فسألني:

- المهمة صغيرة عليك، أليس كذلك؟

- أريد قيادة لواء.

- لواء دفعة واحدة يا ما جد؟

- حتى أحرّر فلسطين وننتهي.

ربّت بكفّه على كتفي.. طفحت عيناه بما لا أستطيع وصفه.. قال:

- سنحررها يا ماجد.

اجتاحتني غصة مباغتة.. سرت في عروق دمي كإبر حادة.. بدت لي "يافا" التي غادرتها طفلاً كومة من الركام.. حطاماً يتناثر في بحرها، ويمتد إلى بيروت.

قلت له:

- لقد لحق الجراد بنا إلى بيروت يا نقيب نظيم.

- وستكون بيروت مقبرة له يا ماجد.

 

(5)

"- مجموعة من قوّات العدوّ تخترق الجنوب اللبناني باتجاه بيروت على الشريط الساحلي، والقوات المشتركة تشتبك معها في أكثر من محور. إذاعة.....

- حشود كبيرة من دبابات جيش الاحتلال ترابط داخل بيروت، وتحاول السيطرة على طريق المطار. إذاعة.....

- طائرات العدو تقوم، في الصباح الباكر، بإلقاء قنابل عنقودية فوق حيّ الفاكهاني في بيروت، والخسائر عدد كبير من القتلى، والمشوهين، و... إذاعة.....

- قوات الاحتلال تخرق وقف إطلاق النار للمرة العاشرة، وتقصف المخيمات الفلسطينية في أكثر من موقع. إذاعة...

آه لو أستطيع أن أخمد أنفاس هذه الإذاعات يا رؤى".

 

(6)

تتوسّد السرية زند ليلة قائظة، وتغفو بعد يوم مجهد طويل.. أعدّ الشباب إبريقاً من الشاي بصعوبة بالغة.. بدأ شيء من البرد يزحف إلى قدميّ.. تكوّمت في قاع الخندق مثل كرة ثلج.. تسلّل البرد إلى معدتي، فضغطت بيدي فوقها.. أحد المقاتلين قال إنّ اختلاف الطقس بين قيظ الظهيرة ورطوبة آخر الليل هو السبب، أمّا النقيب نظيم فقد قال:

- ليست معدته هي التي تؤلمه، بل قلبه.. قلبه ينبض كثيراً هذه الأيام، فتنبض معدته أيضاً.

ضحك الشباب.. اكتفيت بابتسامة باهتة، حاكتها شفتاي من دون إرادة منّي، وكانت كفّاي تطبقان على أسفل بطني محاولاً تقليص الألم الذي يحتدّ.. كم أنا بحاجة إلى كفّيك الناريتين يا رؤى!

 

(7)

"وأنا بحاجة إلى كفّيك يا ماجد..

أعرف أنه لا وقت لديك لكي تكتب.. أشياء كثيرة يضطر المقاتل إلى نسيانها في ساحة المعركة.. فقط تتحوّل السهول الممتدة أمامه إلى أوراق متناثرة من دفتر، وسلاحه إلى لغة تتقن كلّ الأبجديات.

مشتاقة إليك كثيراً.. أحبّك".

 

(8)

خيّم هدوء حذر.. خرج المقاتلون من خنادقهم، وبدأ بعضهم بإخلاء الجرحى.. دخان كثيف يتلاشى، ورائحة مخلّفات المعركة ونتن جثث الأعداء يخنقان المكان.. بعض الرمايات المتقطّعة تسمع من بعيد.. بدت طائرة على ارتفاع شاهق.. قال أحد المقاتلين:

- هذه طائرة استطلاع.

قاطعه النقيب نظيم قائلاً:

- بل طائرة مقاتلة.. الكلاب يحومون حول مواقعنا من جديد.

قلت:

- هاهو الجراد يلحق بنا يا نقيب نظيم.

انفجار مفاجئ، وقريب، أخمد حوارات المقاتلين، وعادت مجموعة من دبابات العدو تتقدّم نحونا.. جاءت أوامر من القيادة بالتحرّك جهة الشرق:

- هل أنت مستعد يا ماجد؟

- مستعد.

- غيّروا مواقعكم.. انتبهوا وأنتم تتحركون.

دويّ هائل.. نار.. دخان.. ما يزال صوت النقيب يصل إليّ متقطّعاً:

- علينا أن نكسب الوقت.. عند ظهور أهداف معادية في الحقل المجدي لرماياتكم دمّروها.

 

(9)

هذا الإصرار من كاتب القصّة على أن أكون واحدة من شخصياتها لم أستطع تفسيره.. لمَ أنا بالذات من كلّ الممرضات اللواتي يعملن في هذا المستشفى؟ هل لأهتمّ بجرح صديقه ماجد أكثر؟ لأنّ جرحه خطير، كما قال الطبيب، بسبب الشظية الكبيرة التي استقرّت في كتفه الأيسر.. ربّما شيء آخر.. أشياء أخرى.. لا أعرف.

غريب هذا المخلوق المسمّى ماجد.. تمنيت خلال إقامته هنا أن يبتسم في وجهي مرة واحدة.. لا يعرف سوى كلمة واحدة عندما أنتهي من تغيير الضماد له.. شكراً فقط.. البارحة حاولت أن أسأل كاتب القصة عنه، لكنني لم أستطع.. ابتلعت حيرتي في اللحظة الأخيرة كدواء مرّ.

تساءلت بيني وبين نفسي عن حضور هذا الجريح في رأسي دائماً، ومحاولات عدة لانتزاعه من تفكيري أخفقت.. هل يمكن أن يكون صديقه قد لاحظ ذلك، فأصرّ على أن أكون واحدة من الشخصيات؟ ربّما.. فهو يبتسم عندما يراني في غرفته.

يندمل الجرح ببطء، ولكن الشحوب ما يزال يستعمر وجهه.. صرت أقلق عليه كثيراً في الأيام الأخيرة.. رجوته أن يكون متفائلاً، وأكّدت له أنّ إقامته في المستشفى لن تطول. وعلى الرغم من أنني لم أدع وسيلة لأخفف به عن شروده الطويل، فقد ظلّ وجهه شاحباً، ولطالما سمعت منه كلمتين يرددهما دائماً: بيروت، ورؤى.. آه لو أعرف مَن رؤى هذه التي لم ينسها أبداً.

 

(10)

"يغتسل البحر بحدقات المقاتلين المشوية في المعارك.. بتلويحات الراحلين، وهم يغادرون الميناء في هجرة جديدة.. غصّت المراكب، وبيروت زمن مثخن بالخائنين والعملاء، بعد أن كانت منذورة للحبّ والكرامة والحرية.. ما الذي أقوله يا رؤى؟ ما الذي أقوله؟.. هل سنلتقي؟".

 

Hit Counter