|
في المدينة، لكي تصل إلى منزل سالم، عليك أن تضع قلعة حلب وراء ظهرك، ثمّ تتجه نحو الجنوب.
لا تسأل أحداً.. لست بحاجة إلى سؤال أحد، فتشكيل البيوت والأزقة سيدلّك على حيّ "باب المقام".. جهة الشرق منه ترتفع حارة ضيّقة ومتعرّجة قليلاً.. تقول إنّ أبنية حديثة بدأت تنهض هناك؟ أجل، بدأت تبتلع ألق المدينة القديمة.. حين ترتطم عيناك ببوابة مستقيمة اطرق قبضة الباب الذي يتصدّرها.. ستفتح لك امرأة في نحو الخمسين، وقبل أن تدعوك إلى الدخول ستعرف أنها أمّ سالم.. سيّدة تميل إلى الطول كثيراً.. ناحلة مثل نخلة هرمة.. ستقرأ في وجهها المتجعد حكايات سنين مثخنة بالتعب.. ستقول لك:
- يا حبّة عيني على سالم، حين كان صغيراً كنت أعلّق له "شبّة وخرزة زرقاء".. كنت أخاف عليه من العين.
أمّا أبو سالم فستعرفه من سعاله الأجشّ.. يتكوّر في زاوية من صدر البيت، وهو يغطي جسده بلحاف قديم:
- مستورة يا بنيّ.. البغل هرم، وأنا تعبت.. البارحة طردني الشرطة من سوق المدينة.. قالوا إنّ منظرنا غير حضاري.. يريدون عتّالين يبيّضون الوجه.
وقبل أن تقف لتغادر المنزل يتشبّث بك سبعة أطفال.. لا تدري كيف ستتخلّص منهم، وصوت أبي سالم يتناهى إلى أذنيك هزيلاً:
- قلت لسالم يا بنيّ إنني أعرف تاجراً في سوق المدينة يفكّ المشنوق من حبل الإعدام.. يعني أنه يستطيع نقل سالم إلى حلب.. سالم رفض.
---------------------
في البداية عليك يا سالم أن تذهب إلى "الكاراج" الشرقي.. أي ذاك الذي يلاصق مسلخ المدينة القديم.. هناك، سيثقب أذنيك صوت ممطوط لرجل يصرخ بملء فمه: "خربة عايد.. خربة عايد...".. ستعرف أنه سائق السيارة الهرمة التي ستوصلك إلى القرية.. ستتكوّم مع الماشية وكثير من الفلاحين العائدين من المدينة، وستزكم أنفك روائح مختلطة.. ستتطاول عيون الركّاب وستمسح وجهك بفضول أليف، وسيتابع سائق السيارة الهرمة إرسال صوته المبحوح في الفضاء حتى يضيق المكان لدجاجة صغيرة، وبعد ساعة أو تزيد ستسعل السيارة العجوز، ثم ستخلّف خاصرة المدينة التي تغرق في هواء أيلول الجاف.
"يا سالم.. لماذا تصرّ على التعيين في قرية نائية على الرغم من أنه يحقّ لك ذلك في المدينة بسبب تفوّقك؟"
تنبسط السهول على يسار الطريق قاحلة، وخاوية إلا من بعض بيوت مرمية هنا وهناك، وقليل من أشجار جرداء، وخرائب تعوي في جنباتها ريح تنذر بشتاء قاس.
"ثمّ قل لي يا سالم: هل أنت المسؤول عن تخلّف الريف؟"
يغصّ صدر السيّارة بصراخ الفلاحين المتذمرين من تكديس الركاب على طول الطريق في بطن هذه السلحفاة المسكينة، والتي كادت تنوء بحملها مرات عدة، فتتوقف عن متابعة حبوها إلى خربة عايد.
- أبو دعّاس.. حرام عليك.. هل نحن دواب؟
وأبو دعّاس يصرخ في وجه المعاون الصغير:
- هات هذا الراكب.. ناس ضاع منها المعروف يا نوّاف.
- أنت تعرف المعروف يا أبو دعّاس؟ أنت لا تشبع.
علت همهمات في فضاء السيارة المحتشد برؤوس الواقفين، وعيناك يا سالم ما تزالان ساهمتين في امتداد الأرض المستلقية على يسار الطريق.
"يا أخي الفلاحون أنفسهم يتركون الأرض ويرحلون إلى المدينة".
يمتلئ رأسك بأحاديث الأصدقاء وثرثراتهم التي لا تنتهي، والتي كثيراً ما كانت تتحوّل إلى شجارات مخاتلة في بعض الليالي، أو إلى قطيعة قد تطول أياماً.
- هات هذا الراكب يا نوّاف.
- يا أبو دعّاس لن تأخذ ما تجمعه إلى الآخرة.. ارحمنا يا رجل.
تدحرجت السيّارة إلى طريق ترابية موحلة، ومن مسافة غير بعيدة بدت "خربة عايد" كومة من بيوت طينية متناثرة، يجلّل قبابها بياض رمادي.. تمتد عيناك.. تمسحان تشكيلها المتنافر وهي تتوسد صدر سهل منبسط قليلاً.
"يا سالم.. يا صديقي.. لا شيء يمكن تغييره في عام دراسي واحد".
تظلّ ثرثرات الأصدقاء في الليلة الفائتة تدقّ رأسك المزدحم بأشياء كثيرة.. تسلمك الطريق الترابية الضيّقة إلى بيت يعتلي هضبة قريبة.. البيت إلى قاعة كبيرة تتوسطه.. القاعة إلى رجل عجوز في صدرها.. أحدهم يقول لك إنه مختار القرية.. يرحّبك بك بابتسامة فقيرة إلى الودّ، ثمّ يشير إلى المدرسة التي تتوكأ ساعد الوادي الشرقي للقرية.
"سترى يا سالم.. لم يتغيّر شيء.. المختار مختار، ورئيس المخفر رئيس... و..".
ثلاث غرف طينية تتعكّز بعضها بعضاً.. كثير من الأطفال، ثمّ معلّمة وحيدة تنعقد فوق وجهها ابتسامة مرحّبة:
- سالم.. معلّم جديد.
- هدى.. معلّمة صدئة.
يقتحم رأسك إحساس مفاجئ، وكانت عيناك تستطيلان متسائلتين عن معنى هذا الودّ المباغت الذي لا تتوقّع أن يتشكّل مثله بين رجل وامرأة في لقائهم الأول، ثمّ ترتدّ ذاكرتك إلى ثلاث سنوات خلت إلى حديقة المدينة:
"كانت الأشجار ترتدي ثلج كانون.. تأبطت ذراع ليلى بفرح.. اغتسلتما برذاذ المطر الذي انسكب بودّ فوق وجهيكما.. تحسست كفّيها الساخنين، وحين هطلت القبلة الأولى غمامة فوق حقل وجهها، همست لك: أحبّك.. رددت: أحبّك. وكان حارس الحديقة العجوز يصوّب نظرة مستنكرة، ويتمتم: أستغفر الله.. جيل لا يستحي".
يرسل ضجيج الأطفال المتدفّق من الغرف الثلاث وقعاً حاداً في أذنيك.. ينتشلك من غيابك الذي استعمرك فجأة.. تسألك الآنسة هدى:
- الأستاذ وكيل؟
ما الذي يجعلك الآن يا سالم عاجزاً عن حياكة أي كلمة؟ تدافعت في فمك كلمات عرجاء:
- ما الفرق؟ وكيل.. أصيل.. المهم أنني هنا.
- أقصد أنّ الذي يُعيّن هنا لا بد أن يكون وكيلاً.
"وخربة عايد هذه يا سالم قرية بعيدة، يفصلها عن المدينة تسعون كيلو متراً، لا يصل إليها إلا سكّانها والقاصدون إليها، وفي المواسم فقط تزدحم بسيّارات التجّار القادمين من عدة مدن.. جبن.. صوف.. قمح.. سترى يا سالم أنّ المعلّمين من أبناء القرية يرفضون التعيين فيها، ويفضلون العمل في مدارس الناحية".
- الأستاذ أصيل إذاً، وأنت معاقب، ولم يرَ مدير التربية أسوأ من هذا المكان لينفيك إليه.
يضجّ جسدك بانفعال طافح.. يلوّن وجهك باحمرار مشوب بسمرة داكنة:
- أنا الذي اخترت المكان يا آنسة.
يعاود صوت هدى تسلله إلى أذنيك، وثمّة ابتسامة صغيرة تضيء في عينيها:
- سنتقاسم الصفوف.. سأختار الأول.. أنا أحبّ أن أبدأ من الصفر دائماً.
"ثلاث سنوات يا ليلى وأنا أقول لك إنّ الأشياء تبدأ من الصفر".
- هذه هي السنة الثانية لي في القرية.. السنة الماضية أرسلوا وكيلاً، ثمّ نقلوه في منتصف العام.. يمكنك أن تختار الصفوف التي تشاء إذا لم تعجبك القسمة.
"القسمة؟.. آخر كلمة قالتها ليلى ثمّ افترقنا.
قلت لك يا ليلى: والسنوات التي مرّت من حياتنا؟ وأحلامنا التي اخترعناها؟ الأرصفة التي اعتادتنا كلّ صباح.. الحديقة التي كانت توصد صدرها علينا، وكنّا نمتلئ بحبّ يتسع حتى للجماد فيها"
- لدينا طلبات كثيرة.. يلزمنا مقاعد، وألواح، وسجلات.. هذا الصباح كان الموجه التربويّ هنا.. قال لي: دبّري رأسك.
قفز إلى فمك سؤال لاهث:
- الآنسة وكيلة؟
تدفقت عينا هدى بضحكة طويلة.. ظننتَ أنّ شلالاً من الضحك ينهمر فيهما.. صباحاً صاخباً يبدّد برد أيلول الجاف.. شمساً لاهبة تخترق جليد الصمت:
- الآنسة أصيلة إذاً؟
- ما الفرق؟ وكيلة.. أصيلة.. المسألة واحدة.
- أقصد أنّ الذي يعيّن هنا لا بدّ..
- لا تقصد شيئاً.. أنا التي اخترت أنا أكون هنا.
"قلتُ لك يا ليلى: نحن الذين نختار ما نريد. وذات مساء تخثّر الشوق الذي كنت أمتلئ به للقائك، وكنتِ تزفّين إلى رجل لا تعرفينه.. بلاد لا تعرفينها... وهمست لي بخوف: سيوفّر لي كلّ شيء. كنتِ خائفة يا ليلى.. أجل، كنت خائفة".
- هذه هي الطلبات.. يمكنك أن تعود الآن مع السيارة التي جئت بها.. لا تنس أن تمرّ بالموجّه.. يجب أن يوقّع على الطلبات.
تزحف كفّاك إلى الأوراق الكثيرة.. تتحسس عيناك كلماتها المكتوبة بخط جميل، وكان رأسك يضجّ بصخب ليال فائتة: "أيّها الأصدقاء الثرثارون الذين تهدرون أيامكم في الكلام.. يا ليلى التي هربت إلى كلّ شيء.. يا أصدقائي القوّالين.. يا ليلى.."
- أريد منك خدمة، أن تمرّ بأهلي.. قل لهم إنّ هدى ستتأخر.. الخميس بعد القادم سأكون عندهم.
---------------------
في المدينة..
لكي تصل إلى بيت هدى، خذ الباص من "المنشية القديمة".. عندما تخلّف الطرف الأخير من غرب المدينة.. على اليسار تماماً، ستقع عيناك على بيوت متراصة.. تفصل بينها طرقات ترابية ضيّقة.. يمكنك أن تتجاهل مستنقعات المياه والروائح النفّاذة القادمة من الحفر التي تجاور البيوت.. حين ترى باباً حديدياً في آخر الطريق، دقّ بقبضتك الباردة عليه.. ستفتح لك امرأة تميل إلى الطول قليلاً.. ناحلة مثل نخلة هرمة.. وقبل أن تدعوك إلى الدخول ستعرف أنها أمّ هدى:
- الأرض والسماء ترضى عليك يا هدى.. عمّتها كانت تقول: زوّجوها. البنت للبيت، والدراسة لا تنفع. العريس أهمّ، تخلصون من لقمتها... لولاها يا بنيّ لأكلنا الخبز اليابس.
أمّا أبو هدى، فستعرفه من نظارتيه السميكتين، ومن أصابعه المعروقة التي تثوي بينها سيجارة تنزف ما تبقى منها:
- مستورة يا بنيّ.. الجلوس في البيت ابن كلب.. "النول" أكل عينيّ.. قلت لهدى: أحكي لك مع صاحب المعمل الذي أشتغل فيه.. يدبّر لك مدير التربية، فتأتين إلى حلب.. رفضت.
وقبل أن تقف لتغادر البيت، يتشبّث بك خمسة أطفال، لا تدري كيف تتملّص منهم وأنت تمتلئ بصور لا تُنسى.
|