|
نهضتُ على صوت امرأة تولول.. تصرخ بالمقلوب.. استعذت من الشيطان.. بسملت.. دفعتُ كتف أمّ العيال دفعات متتابعة.. قلت لها:
- قومي يا مخلوقة، صوت امرأة تولول.
ظلّت نائمة.. ازداد صوت المرأة علوّاً.. شممتُ رائحة غريبة.. رائحة حريق.. قفزت مثل ملدوغ.. ركضتُ إلى الشارع.. رأيت عدداً من سكّان الحارة.. دسست جسدي بين الركام المحتشد أمام بيت الأستاذ "يقظان".. سمعتُ أصواتاً متداخلة:
- بيت الأستاذ يحترق.
- يا أهل النخوة.
- هاتوا ماء.
- اتصلوا بالاطفائية.
قلتُ للجيران:
- نعم، اتصلوا بالإطفائية.
صرخ أبو علي القصّاب:
- الحارة كلّها ما فيها هاتف.
قلتُ لنفسي: "خذ سيّارة إلى الإطفائية يا بديع".. أخذت سيّارة.. وصلت.. نقدتُ السائق خمساً وعشرين ليرة، فنام على الباقي.. كان باب الاطفائية مغلقاً، فدققت عليه.. شتمني الرجال الذين تدفقوا من الداخل.. قالوا أشياء كثيرة.. أحدهم وصل إلى أمّي ولكن بصوت خفيض.. تجاهلت الشتيمة.. قلت:
- بيت الأستاذ يقظان يحترق.
أطلق الجميع ضحكة متثائبة.. قال أحدهم:
- أيّ يقظان بالخير؟
ظننتُ يا سيّدي أنّ المدينة كلّها تعرف الأستاذ يقظان.. قلت لهم:
- الأستاذ يقظان جارنا.
أحدهم صرخ بنزق:
- أعطنا العنوان.
أعطيتهم العنوان، فقالوا:
- أخبر أقرب مركز للشرطة والحق بنا.
â
â
â
قمنا، نحن المساعد أول.... والعريف.... باصطحاب المدعو بديع إلى مكان الحادث في تمام الساعة الثالثة من فجر السبت 6 / 6.... وفور وصولنا قمنا بمعاينة البيت، مكان الحريق، فتبيّن لنا ما يلي:
البيت مؤلّف من غرفتين صغيرتين، إحداهما مفتوحة على الأخرى بستار من قماش محترق.. في الغرفة الداخلية سرير من الحديد وكرسيان صغيران، وحصيرة واقفة لم تصل إليها النار.. في الغرفة الخارجية مجموعة من الكتب المتراصة، جانب منها يصل إلى السقف، ويشغل مكاناً عريضاً من الجدار الأيسر، وجانب آخر التهمته النار، وحوّلته إلى رماد مختلط بالماء.
لم نرَ في البيت مكاناً لمطبخ أو حمّام، وقد عرفنا، على الفور، أنّ البناء واحد من المخالفات السكنية الكثيرة في حيّ "تلّ العقارب".
تمّ الكشف على الشبكة الكهربائية لمعرفة ما إذا كان الحريق قد حدث بفعل ماس كهربائي، وقد عانينيا كثيراً من اختلاط الخطوط، ولم نقف على أيّ علاقة للكهرباء بالحريق.
بعد معاينة البيت استدعينا المدعو يقظان، وأجرينا معه التحقيق التالي:
- الاسم؟
- يقظان.
- الاسم الثلاثي يا يقظان؟
- يقظان بن معروف البوصيري.
- الأم؟
- فضيلة.
- العمر؟
- ثلاثون سنة.
- المهنة؟
- كنت مدرّساً.
- كيف حدث الحريق يا يقظان؟
ظلّ يقظان صامتاً.. أعدنا عليه السؤال، فظلّ صامتاً. وعندما لم تفلح المحاولات الكثيرة التي لجأنا إليها لحمله على الإجابة، طلبنا منه دعوة سكّان البيت، فحضرت امرأة تغطّي وجهها دموع ما تزال تنسكب من عينيها. قلنا لها أن تكفّ عن البكاء، وأن تجيب عن أسئلتنا التي وجهناها لها كما يلي:
- الاسم؟
- نعيمة.
- الاسم الثلاثي يا نعيمة؟
أجاب يقظان:
- نعيمة بنت حسن العقرباوي.
طلبنا إلى يقظان عدم التدخل، وتابعنا استجوابنا لنعيمة:
- العمر يا نعيمة؟
- ثلاثون سنة.
- ما صلتك بيقظان؟
- زوجته.
- كيف حدث الحريق يا نعيمة؟
- كنت في بيت أهلي.. عدت متأخرة.. أوصلني أبي، وعاد من دون أن يدخل معي إلى البيت.. وجدت "يقظان" غارقاً في الكتاب الذي أمامه.. سألته: "هل تعشيت يا يقظان؟" فلم يردّ.. سألته مرة ثانية، فصرخ في وجهي: "أتعشّى ماذا يا دوقة تلّ العقارب؟".. عرفت أنه يسخر.. قال كلمات كثيرة لم أفهمها.. بكيت.. أخذت الصغيرة، ودخلت إلى الغرفة الثانية.. تمددت على السرير، وظللت أبكي.
- وبعد ذلك يا نعيمة؟
- مرّ وقت طويل وأنا أبكي.. ندبت شبابي الذي أضيّعه مع رجل مجنون بالكتب.. وعندما هدّ القهر بدني نمت.
- كيف حدث الحريق يا نعيمة؟
- شممت رائحة حريق.. ظننت نفسي أرى مناماً.. اشتدت الرائحة.. فتحت عينيّ.. وجدت الغرفة الثانية ما تزال مضاءة.. وصلتني رائحة الحريق منها.. قفزت مثل مجنونة.. رأيت "يقظان" يكوّم مجموعة من الكتب، ويضطرم النار فيها.. صرخت، فلم يردّ.. صرخت من جديد، فأغلق فمي.. لبستني قوّة مفاجئة، فأفلتّ من يديه، وأخذت أولول.. حملت الصغيرة، وظللت أولول.. امتدت النار إلى السجادة.. السجادة إلى طرف الخزانة.. ولولت أكثر.. كسر الجيران الباب بعد أن تعبوا من الطرق عليه.. دخلت جارتنا أمّ بديع، جرّتني إلى بيتها، أخذت الصغيرة مني واندفعت بها خارج البيت.
قلنا لنعيمة أن تغادر الغرفة، وعندما لم تفلح المحاولات الجديدة لحمل المدعو يقظان على الإجابة عن أسئلتنا، قررنا.. نقله إلى المخفر، وتقديمه إلى النيابة العامة في الصباح.
أقفل هذا المحضر في تمام الساعة الخامسة من صباح السبت 6 / 6 / .... بمعرفتنا، وعلى مسؤوليتنا.
المرفقات:
خمس أوراق بخطّ المدعو يقظان البوصيري، مكتوبة بحبر أسود، وصلت النيران إلى أطرافها، وبقّعت المياه أجزاء منها، وبعد اطلاعنا عليها، وجدونا أنّ المدوّن فيها يمكن أن يفيد التحقيق، ولذلك رأينا ربطها بالمحضر.
â
â
â
سيادة قاضي محكمة... الموقّر.
بعد الاطلاع على مخفر تلّ العقارب، وتقرير الاطفائية، وبعد المحاولات المضنية لحمل يقظان على الكلام، أفاد بما يلي:
"نار كانت ساكنة، فتأججت.. نار كامنة كان يلزمها فتيل صغير حتى تأتي على كلّ الأشياء السوداء.. نار لا يصمد في وجهها سوى البياض.. عصور من الزمن في انتظارها.. أيّ مكان تذهب إليه يطالعك منه الشرر، كأنّ الأشياء كانت تنتظر من ينفخ فيها، حتى يناطح لسان نارها السحاب".
رأينا، نحن محقق النيابة العامة، أنّ ما قاله المدعو يقظان البوصيري لا يقدّم ولا يؤخّر في إجابته عن سؤالنا المتعلّق بملابسات الحريق، مع أنّ رجالنا وفّروا له كلّ أسباب الراحة النفسية، ولذلك قررنا عرضه على محكمتكم الموقرة، لتتخذ بحقّه الإجراءات القانونية اللازمة.
ملاحظة: رأينا وضع هلالين كبيرين حول الكلمات التي سقطت من كتابات المدعو يقظان البوصيري بفعل الماء خلال عملية إخماد الحريق.
للاطلاع، واتخاذ ما ترونه.
â
â
â
الورقة الأولى. الأحد 24 / 2 / .....
أيّام النصف الثاني من الشهر مثل عقرب، تمشي بطيئة، وتلدغ.. الراتب (......) من الأيام الأولى.. يتبخّر.
اليوم التقيت (.......)... تعانقنا طويلاً.. قال لي:
- أين أنت يا رجل؟
- تحت الأنظار يا سعران.
- مرّ يا رجل.. أيّام (.......) لا تُنسى. أنا في الخدمة يا يقظان إذا احتجت إلى شيء.
قلت لنفسي: "جاء يومك يا سعران".. وفي المساء قلت أيضاً: "اذهب إليه يا يقظان.. ارمِ هذه الطينة، لعلّها تلصق".. ذهبت.. في المكتب رأيت حسناء يكاد ينفر الدم من وجهها.. سألتها:
- السيّد سعران موجود؟
مرّت دقائق طويلة وسعران يمطرني بالقبلات، وهو يقول:
- نوّر المكتب يا يقظان.. ابن حلال والله.. في الصباح نلتقي بعد غياب عشر سنوات، وها أنت تأتي في اليوم نفسه.
"البداية تبشّر بالخير يا يقظان".. ألبست صوتي رداء من التماسك.. حاولت أن أخفي حشرجته المتدافعة.. قلت له:
- أريد كم ليرة يا سعران.. أوّل الشهر أردّها إليك.
ومططت حدقتي أبحث في وجهه عن (.......).. قال:
- أنت غال يا يقظان.
تدفّق في داخلي فرح متقد.. "فُرجتْ يا يقظان.. ألف ليرة تسدّ بها فم صاحب البيت، ونقّ نعيمة، وإذا زاد (.............) تشتري للصغيرة ثوباً تدفىء به عظامها الدقيقة".. لجمَ صوت سعران سيل الصور البهية التي تدافعت في رأسي.. قال:
- ولكن يا يقظان أنت تعرف.. هذه الأيام صعبة، كسرت ظهورنا.
تمنيت أن أرى ظهره مكسوراً.. أردت أن أبصق.. "أنا وأنت من حارة واحدة يا سعران.. أنت الآن جثّة منتفخة وأرصدة متوّرمة، وأنا أمدّ يدي إلى الآخرين بعد (......) من بداية الشهر.. أنتم لا تنكسر ظهوركم إلا (......).. كيف يا سعران؟ سترى".
â
â
â
الورقة الثانية / من دون تاريخ
يأتيني أبو ذرّ(â) في الليل.. أقول له:
- أنا جائع يا أبا ذرّ.
فيسلّ سيفه، ويقول:
- عجبت لمن يجوع ولا (......) شاهراً سيفه.
أقول له:
- يا أبا ذرّ، يا صاحبي.. أنا جائع، وليس لديّ سيف.
ظلّ أبو ذرّ يأتيني كلّ ليلة، وظللت أقول له: "ليس لديّ سيف يا أبا ذرّ".. الليلة، هزّ كتفيّ بقوّة.. قال:
- لا تنتظر حتى يأتي السيف إليك يا يقظان.
â
â
â
الورقة الثالثة / من دون تاريخ
أيّ انقباض هذا الذي يتدافع في رئتيّ منذ الصباح!.. قلت لنفسي: "قهوة يا يقظان تفتح بها رأسك الثقيل من كوابيس الليلة الماضية".. حال القفر المستبدة بكلّ شيء في البيت زادتني انقباضاً.. "مشّها بالشاي يا يقظان".. مشيّتها.. هززت كتف نعيمة.. قلت لها:
- أنا ذاهب إلى المدرسة يا نعيمة.
لم تردّ..
طالعني صباح مبتلّ بالمطر وبغيوم داكنة تتراكض، وبكومات من الأطفال الفارّين من مزاريب السماء، وبصوت بائع (......) يثقب الصباح بكلمات ممطوطة.
وصلت المدرسة متأخراً.. قذفني المديرة بنظرة (.......) قلت:
- خمس دقائق لا تخرب الكون يا أستاذ.
- خمس دقائق يا أستاذ يقظان في (......) كثيراً.
أردت أن أقول له: "(........) أنت أولاً".. بلعتها.. وعندما استدرت متجهاً إلى الصف، نعق:
- أستاذ يقظان.
وغرز عينين مجنونتين في وجهي، وتابع:
- الأستاذ فيصل سيحضر درساً لك.
شتمت هذا الصباح.. تقافزت في رأسي أفكار كثيرة.. "أغلق فمك يا يقظان.. لا تعكّر صباحك أكثر.. لا تزد الطين بلّة".. أغلقته، ولكن رأسي ظلّ يغلي.. دخلت مع فيصل إلى الجامعة في سنة واحدة.. تخرجت.. وظلّ هو في السنة الثانية.. عملت سنتين في أقصى الريف، وظلّ هو في (............).. وعندما كنت أسأل الأصدقاء عنه كانوا يقولون لي: "على حطّة يدك".. حطّة يدي دامت سنوات، صار فيصل بعدها (......).
â
â
â
الورقة الرابعة. الخميس: 7 / 4 /....
نقّ نعيمة لا ينتهي: هات التموين يا يقظان.. اشتر لنا بصلاً يا يقظان.. لا تنس الملح يا يقظان.. الزيت نفد يا يقظان.. المازوت.. الرز.. السكر.
نعيمة لا تفكر بغير معدتها.. تبدو مثل قنفذ هائج عندما لا تصل يداها إلى ما تحشو به فمها.. تتورّم يوماً بعد آخر.. كأنها عصر من الجوع يريد أن يلتهم كلّ شيء أمامه حتى لو كان حطباً.. قلت لها اليوم:
- سأشتري لك ماكينة صوف يا نعيمة.
كانت مشغولة ببقايا الصحن أمامها.. احتلط صوتها بحركة فمها.. قالت:
- ومن أين ثمن الماكينة يا روح نعيمة؟
- بالتقسيط يا نعيمة.
وراقبتُ وججها المسمّر في الصحن، وتابعتُ:
- تشتغلين، فنسدّ فم صاحب البيت على الأقلّ يا نعيمة.
- نسدّ فم صاحب البيت أم نرقّع جيبك المثقوب يا يقظان؟
- جيبي المثقوب بماذا يا نعيمة؟
- بشراء الكتب يا كبد نعيمة.
نعيمة تقيم الدنيا ولا تقعدها إذا رأتني أدخل إلى البيت وبيدي كتاب.. تقول لي:
- سنظلّ وراء الناس طوال حياتنا.
- لماذا يا نعيمة؟
- لأنك لا تسأل إلا عن الكتب يا قلب نعيمة.
- الكتاب غذاء يا نعيمة.
فتضحك.. تقلب على قفاها العريض وهي تضحك.. وعندما ترتطم مؤخرتها الثقيلة بالأرض، تقول:
- اطبخ لنا كتاباً يا يقظان.
â
â
â
الورقة الخامسة. الجمعة: 5 / 6 /...
- أنت غاضب يا أبا ذرّ؟
سألت أبا ذرّ الذي طالت غيبته، وعندما ظلّ صامتاً وهو يحدّق فيّ بعينين محتشدتين بالحزن، أعدت السؤال، فردّ:
- أجل يا يقظان.
- لماذا يا أبا ذرّ؟
- لأنك لا ترى يا يقظان.
- ماذا أرى يا أبا ذرّ؟
- ما يجري يا يقظان.
وقبل أن أسأله عمّا يجري اختفى.. ظللتُ ساعات أنتظر عودته، لكنه لم يعد.. تراكضت الأسئلة في رأسي مثل نهر مجنون.. ليلة كاملة وأنا أحملق في السقف، وأسأل: "ماذا يجري يا أبا ذرّ؟" حتى مدّت خيوط الفجر أعناقها، وبسطتها فوق المدينة.. ذبل جسدي.. أردت أن (......).. مشيت.. قادتني قدماي إلى (.......) المدينة.. إلى الطرف الغربيّ منها.. اصطدمت عيناي بأبنية ممتدة عرضاً.. أبنية تظللها أشجار كثيرة، وأمام كل بيت سيّارة (.......) الخالق.. ظللت أمشي وسؤال أبي ذرّ يدقّ رأسي.. رأيت عجوزاً فوق أحد الأرصفة.. بدا لي مثل رمح معوّج.. أحدثت بقدمي ضجة مباغتة، وعندما رفع العجوز رأسه، صرخت:
- أنت يا أبا ذرّ؟
- أجل.. أبو ذرّ يا يقظان.
- أين اختفيت؟ ولم أنت على هذه الحال؟
أرسل أبو ذرّ عينيه إلى الأبنية الممتدة أمامنا، رأيت فيهما وميضاً لا أعرف كيف أصفه.. قال:
- لم أختف يا يقظان.
- ولكنك تركتني يا أبا ذرّ.
- لأنك لا تفهم يا يقظان.
- ماذا أفهم يا أبا ذرّ؟
- ما يجري يا يقظان.. ألا ترى؟
- ماذا أرى يا أبا ذرّ؟
- هذه القصور يا يقظان.
â
â
â
- عروس في ليلتها الأولى يا سيّدي يتركها زوجها ممددة على السرير ويغط في القراءة.. ساعتان مرّتا وهو يقرأ.. قلت لنفسي: "اصبري يا بنت".. صبرت.. الصبر استمرّ حتى الصباح.
- اختصري يا نعيمة.
- قسمتي يا سيّدي.. نصيبي.. النصيب يهدّ الظهر.
- اختصري يا نعيمة.
- أيّام طويلة يا سيدي ويقظان لا يغيّر عادته.. يعود من المدرسة.. يدسّ لقمات قليلة في معدته، ثمّ يمدّ يده إلى المكتبة ويبدأ القراءة. قلت لنفسي: "ضرّة يا نعيمة أهون من هذه الكتب في البيت".
- اختصري يا نعيمة.
- بعد أن يقرأ يصفق باب البيت ويخرج، فأظلّ وحدي لساعات.. قلت مرّة لنفسي: "ولد صغير يسلّيك يا نعيمة".. قلت ذلك ليقظان، فصرخ في وجهي: "وكيف سيعيش يا دوقة؟".. قلت: "مثل كلّ خلق الله يا يقظان".. فصرخ في وجهي من جديد: "وهل كلّ خلق الله يعيشون يا نعيمة؟".. سكتّ.. قلت: "احبلي يا بنت من دون أن يعرف".. حبلت يا سيّدي.
- اختصري يا نعيمة.
- يعود يا سيدي إلى البيت فأسأله: "أين كنت يا يقظان؟"، فيردّ: "في باب قنّسرين يا نعيمة".. "والبارحة يا يقظان؟".. "في باب المقام".. "وغداً إن شاء الله يا يقظان؟".. "إلى باب أنطاكية"(ââ).. كنت بضرّة يا سيّدي، فجاءت الأبواب فصرت بضرّتين.. ضيّعت شبابي مع رجل مجنون بالكتب والأبواب.. قسمتي يا سيّدي.. القسمة تعقد اللسان.. تعمي.
â
â
â
تمدّد في قاعة المحكمة صمت مختلط بالترقّب.. شخصت عيون الحاضرين نحو القاضي الذي دقّ على الطاولة أمامه ثلاث دقّات متتابعة، ثمّ قال:
- يقظان البوصيري.. المحكمة تعطيك فرصة أخيرة للكلام.
- سأقول لك كلّ شيء يا سيّدي.. أقسم أنني لن أترك صغيرة أو كبيرة.. صحيح أنّ المحقّق لم يصدّق ما قلت له في أول مرة، ولكنني قلت له كلّ ما حدث.. أقسم أنني قلت له كلّ ما حدث.. لم يصدّق؟.. معه حقّ.. كلّ المتهمين لا يمكن تصديقهم من أول مرة.. أعرف ذلك.. ولكن مرة واحدة يا سيّدي رأيت قاتلاً يقول للمحقّق: "أنا لم أقتل"، فقال المحقّق له: "أنت صادق"، ثمّ أخلى سبيله.. كيف أخلى سبيله؟ لا أعرف يا سيّدي..
- أجب عن السؤال فقط يا يقظان.
- ما لنا يا سيّدي.. كوكب الأرض فيه أشياء كثيرة غريبة.. لا يعرف الاستقرار، وإذا استقرّ فهذا يعني هلاكه نفسه وكلّ ما ومن عليه.. بعض الناس يقول إنّ هلاك كوكب الأرض على الأبواب، والقيامة قريبة.. القيامة قائمة يا سيّدي، وليست قريبة.. ستقول لي: وكيف هي قائمة يا يقظان؟ سأقول لك.. انزل إلى الشوارع وسترى.. أين تمشي؟ لا يهمّ.. العبرة ليست في المشي، بل في أن ترى وأنت تمشي.. ماذا ترى؟ سأقول لك...
دقّ القاضي الطاولة بقبضة غاضبة:
- يقظان.. أنت تضيّع وقت العدالة.
- العدالة فوق رأسي يا سيّدي.. أكلت شبابي وأنا ألهث وراءها.. أيام طويلة مرّت عليّ، المدينة كلّها تنام وأنا أحملق في سقف الغرفة وأسأل: "أين تجد العدالة يا يقظان؟".. ظلّ السؤال يطاردني في الليل، وأنا ألاحق العدالة في النهار، ومرّت سنوات يا سيّدي ولم تكتحل عيناي برؤية هذه المخلوقة التي تسمّى: "عدالة".
- يقظان.. أنت تضيّع وقت العدالة.
- أبو ذرّ يا سيّدي يقول لي مثل هذا الكلام، ويضيف: "العدالة لا تأتي إليك يا يقظان، اذهب أنت إليها". أسأله: "وكيف أصل إليها يا أبا ذرّ؟"، فيقول: "دع الكلام يا يقظان".. ليلة السبت يا سيّدي قررت أن أدع الكلام، فأحرقت الكتب، فغضب أبو ذرّ، وقال: "ما هكذا تقطع صلتك بالكلام يا يقظان".. حيّرني يا سيّدي.
انتصب القاضي غاضباً.. ضرب الطاولة ثلاث ضربات متتابعة.. قال:
â. الصحابي المعروف: أبو ذرّ الغفاري، المشهور عنه قوله: "عجبت لمن يجوع ولا يخرج شاهراً سيفه"، والذي تؤكّد كتب تراجم الصحابة اعتراضه على سيرة الحكّام في بيت المال، ونفي الخليفة الثالث عثمان بن عفّان له إلى بادية الشام بسبب ذلك.
â
â. "باب قنسرين" و"باب المقام" و"باب أنطاكية" من أبواب حلب القديمة.
|