نُشرت في مجلة "البيان" الكويتية. العدد (365) ديسمبر 2000

 

في البدء كان الجرح -

.. وأبي الذي كان غائباً في بلادٍ بعيدة يقول إنّ الأرض ضاقت بفرحته عندما وصلته برقية عمّتي، فأوسعها رقصاً، وحبوراً، ونشوة، ثمّ  دعا كلّ من يعرف إلى عشاء عامر، لكنّه ما إنْ بدأ الإعداد لاستقبال مهنّئيه بمولوده البكر، حتى حاصرته نيران الموقد من كلّ جانب، فالتهمت نصف وجهه.

وتضيف أمّ سعيد ولاّدة الحارة التي تردّدت كثيراً، كما روت عمّتي فيما بعد، في استكمال مهمّتها قائلة إنني كدت أختنق في رحم أمّي، وكادت أمّي نفسها تودّع الحياة قبل أن أشنّف أذنيها بصرختي الأولى.

وحين أطلقتُ صرختي تلك اندفعت جدّتي لأمّي فأخذتني بين قبضتيها اليابستين وأنشبت زغاريدها في فضاء الدار، فتداعت النسوة مهللات، مباركات، ثمّ ما لبثت جلجلة عمّتي العاتية أن مزّقت غبطتهن تلك وهي تهوي إلى قاع البئر الذي كانت تنضح الماء منه.

وتتابع: كنتّ تضرب بساقيك في الفراغ، فتزيد الصخب الذي اشتعل في الدار ضراماً، وبيديك اللتين لم أر مثلهما فيمن اندلق من أولاد بين كفّي كنت عصيّاً على الامتثال لأسر اللفّة البيضاء التي طرّزتها جدتك لأبيك لك منذ كانت أمك في أيّام حملها الأولى، وكنتُ مأخوذة بعينيك المهرولتين في فراغ الغرفة الصغيرة كأنما تستعجلان التعرّف إلى كلّ شيء. وعندما كنت أقول لها:

-  ما أبلغك يا أم سعيد! وما أشدّ فصاحتك!

كانت تقول:

-  بعضٌ ممّا أعطتنيه الأيام، فليس بالكتب وحدها تكون الحياة يا ولدي.

ولذلك كثيراً ما كنت أنصرف إلى أم سعيد، لأتعطّر بأريج الحكمة التي كانت تقطر من بين شفتيها الهرمتين، أستمطر بها ما ينقذ روحي من عاديات الوقت، وما يصدّ عنها غائلات الحزن.

 

- جمر الأسئلة -

.. وكانت مريم تلحّ في الأسئلة، تستطلع ما تنزّه قروح القلب من هزائم، وخيبات، وانكسارات، لتأخذ بيديّ إلى المشتهى من الحلم، لتزمّل روحي بما يقيها مخالب الوحشة، ولتدثرها بقرنفل الأمل، وعندما كنت أقول لها:

- إنهم يقتلون الجياد يا مريم  .

كانت تسأل:

- مَن يا عرفان؟

فيغصّ حلقي بما لا أقوى على الجهر به، تصّاعد في رأسي ذكرى تلك الليلة التي أويت فجرها إلى أم سعيد ناشجاً بصوت لا يسمعه سواي، مثخناً بآثار وقْع قبضاتهم وأحذيتهم على تضاريس جسدي كلّها، وكانت أم سعيد تنضو بيديها الرؤومين عن رأسي، وتحت عينيّ، وفمي ما تخثّر من دماء، وهي تقول:

- احفظ لسانك يا عرفان، احفظ لسانك يا ولدي.

 

- نظافة -

.. ثمّ دفعت بالقصيدة إلى مسؤول الصفحة الأدبية في الصحيفة الوحيدة في المدينة، صلاح كزبرة، فأكّد بحماسة أنها ستكون قصيدة العدد القادم، وأضاف بحماسة أكثر أنها ستكون فاتحة لقصائد أخرى عليّ أن أكتبها فيما بعد. 

وبحماسة أيضاً، ومنذ أن فتّق الصباح أوّل ياسمينة للضوء، اشتريت بكل ما ادخرت لشهر كامل عشرين عدداً لأوزّعها على الأصدقاء، وعندما رميت بأرقي الذي كابدته ليلة كاملة في انتظار الصحيفة على أول مقعد في الحديقة، وأخذت عيناي تلتهمان السطور قرأت:

"عرفان سعد الذابح: قصيدتك غير صالحة للنشر بسبب ما يتراكم فيها من... نظّفها جيّداً، وأهلاً بك صديقاً دائماً للـ..."

وللتوّ تذكّرت أن كزبرة ذاك كان مسؤولاً عن النظافة في المدينة قبل أن يُعيّن مسؤولاً في صحيفتها الوحيدة، ولم أكن أعرف أنّ من مهامه الجديدة  تنظيف هذه  المدينة  من الكتّاب، والشعراء، والمفكّرين، والفنّانين، و، و . أيضاً.

 

- بدايات  -

.. وعندما رأتني أمّي موغلاً في الوحدة، غائصاً في قرارة ما يتراكم أمامي من الكتب والأوراق، قالت:

- أي بنيّ، لماذا تدفن رأسك في الكتب دائماً؟

فتدخّل أبي قائلاً:

- دعيه، فقد تلد الأسرة مؤذّناً.

وعندما ظللت لائذاً بسَرْوِ الكلمات المتباسق تحت ناظريّ، تابعت:

- سيفقد الولد عقله.

- إذا ما حدث ذلك، فهذا يعني أنه يمتلك عقلاً.

- لكنّه وحيدنا.

فمسح أبي بيده على نصف وجهه المحروق، وكأنّما الصوت الذي غادر فمه كان صاعداً من قاع بئر سحيق قال: 

- عادة تبدأ الأشياء بواحد.

 

- نتيجة أولى -

.. ولم أكد أكمل تحية الصباح لأبي عبدو، مسؤول الاستعلامات في المؤسسة، حتى دفع إليّ بمغلّف صغير محكم الإغلاق تماماً، فضضته:

"السيّد عرفان سعد الذابح..... وقد رأينا، لضرورات المصلحة العامّة، نقلك إلى فرع المؤسسة في... عليك الالتحاق بمقرّ عملك الجديد في اليوم الذي يلي تاريخ تبلّغك هذا القرار، وفي حال تخلّفك سنضطرّ لاتخاذ الاجراءات القانونية اللازمة".

البارحة تماماً كان يمكن أن أحصل على مبلغ محترم، تداخلت الأصوات حولي:

- توقيعك يكفي.

- فرصة لا تتكرر.

- لا تكن مجنوناً.

- طيّب، اكتفِ بالسكوت.

-  ستظلّ طوال عمرك وراء الناس.

- يا أخي، لِمَ تحمل السلّم بالعرض؟ 

- قل » نعم « ودع الباقي لنا.

- .....................

 

- حكمة القرود -

.. فلا تسأل » لماذا « يا عرفان.. آلاف الأسئلة تدقّ رأسك، وما مِنْ أحد يقوى على الإجابة.. تتآكل، يفترس روحك صدأ قاس.. صحراء شاسعة تستطيل أمامك، وما مِنْ أحدٍ يقوى على الجهر بأنها تفتك بكلّ شيء.. أنصاف كائنات إنسانية هذه التي تزحف في الشوارع، أشباه كائنات، ظلُّ بشر، أضغاث بشر، لا يملكون وجوهاً، أفواههم مرتجة، ألسنتهم مقصوصة، عيونهم مقفلة، موبوؤن بحكمة القرود: » لا أسمع، لا أرى، لا أتكلّم «. فكن قرداً يا عرفان، كن قرداً، أغلق أذنيك، أغمض عينيك، احفظ لسانك. احفظ لسانك يا عرفان، احفظ لسانك، وإذا لم تحفظه عرفنا كيف نقصّه لك. احفظه يا عرفان، احفظه.

 

- حكاية   -

.. وتابع الراوي قائلاً إن الملك استدعى أطباء مملكته جميعاً، أجزل لهم في العطاء إذا ما خلّصوا وحيدته من الأرواح الشريرة التي سكنت رأسها بعد أن أنحلتها وذوّبت نضارتها معارضة أبيها الزواج ممّن تحبّ، وأقسم برأس أجداده الآلهة أنه سيطعم جثّة الشاعر الذي أحبّته وأحبّت قصائده للكلاب، وكان يدقّ أرض القصر بقدميه الثقيلتين، ويتهدد، ويتوعّد كلّ من تسوّل له نفسه حفظ شيء من قصائد الشاعر.

 لكن القصائد لم تذعن لإرادة الملك، إذْ سرعان ما نبتت لها أجنحة قوية، صارت أسراباً من الطيور المحلّقة فوق سماء المدينة، في نوافذ دورها البائسة وأحيائها المغلولة إلى الفقر والجوع والصمت، ثمّ صارت عاصفة عاتية، ثمّ دخلت القصر، ثم حملت الأميرة وطارت بها إلى حيث.....  

 

- حلم -

.. ثمّ قالت مريم: 

- هل تحبّني يا عرفان؟ 

 وساهماً في اليباس الجاثم على صدر الحديقة حولنا كنت آنذاك أحلم بامرأة ذات وجه مدوّر وساخن كرغيف من الحنطة الصافية، وعينين واسعتين كبحر، وجسد دافئ يمنحني الحبّ بصدق، ولم تكن مريم تشبهها أبداً.

 

 

Hit Counter