حوار: غالية خوجة.

نُشر الحوار في صحيفة ”الجزيرة“ السعودية 1 / 11 / 1998 وفي صحيفة ”الكفاح العربي“ اللبنانية 11 / 12 / 1998.

- ما رؤاك للقصّة الحديثة؟

- على الرغم من أننا نطرق بأرواحنا المثلومة بوّابات القرن الحادي والعشرين، وعلى الرغم من تلك الإيقاعات السريعة التي تسخر بأوهامنا فيما يتصل بمجموعة من الثوابت التي ظللنا لفترة طويلة من الوقت نزعم بأن يد الزمن لن تنال منها، فإن بعضاً منّا ما يزال ينتمي إلى مطالع هذا القرن، وما يزال مأخوذاً بأن ثمّة تقاليد جمالية في الأدب والفنّ لا يمكن النيل منها، أو التمرد عليها، أو اختراقها، أو إنجاز بدائل لها تتسق وتحوّلات الراهن المثيرة.

ولأن ما هو ساكن محكوم عليه بالفناء عادة، فإن هذه التحوّلات تستلزم نصوصاً إبداعية متحركة، نصوصاً حداثية تطوّح بتلك التقاليد الجمالية التي أرستها المحاولات الأولى للجنس القصصي في أدبنا العربي الحديث، وتبتكر جمالياتها المتجددة دائماً، وتتحرر من قبضة الحكائي لتصوغ ما هو فنّي، أي ما يحرّض على تعددية القراءات وفعاليات التلقّي، وما ينشّط طاقة التخييل لدى القارئ أيضاً وما يدفعه إلى أن يكون منتجاً ثانياً للنص لا مجرد مستقبل له.

وتأسيساً على ذلك كلّه، فإنني أميز دائماً بين جوقة الحكّائين الذين يكتبون قصصاً وكتّاب القصّة حقّاً الذين أنتصر لهم وأثق بكفاءاتهم في إنجاز ما يمكن تسميته بالنص المغاير، النص الحداثي الذي يعيد ترتيب مكوّنات القصّ ويبدع في الوقت نفسه مكوّنات جديدة تحتفي بكيفيات أداء الرسالة على نحوٍ موازٍ تماماً لحفاوتها بمقاصد الرسالة نفسها، ويتمثّل ما تقدّمه من إنجازات وما ينتجه الراهن الثقافي من إنجازات جديدة. وبهذا المعنى، فإن القصّ الحداثي يتطلّب مخزوناً معرفياً بتقاليد الجنس القصصي من جهة وبإنجازاته من جهة ثانية، كما يتطلّب وعياً بمفاهيم علم الجمال وباتجاهات النقد المعاصرة، ومن ثمّ موهبة حقيقية تقدّم القرائن الدالّة على أن ما بين يدي المتلقّي قصّة لا حكاية. وما أكثر الحكّائين في مشهدنا الثقافي، وما أقلّ القاصّين!!

- كيف يتخاصم، يتجاذب، يتجادل الناقد مع القاص في داخلك. وما الذي يضيف كلٌ منهما للآخر، ولحركة الإبداع؟

- المبدع الحقيقي، أقول (الحقيقي)، ناقد بالضرورة، لأنه يمتلك حساسية مرهفة نحو الجمال، حساسية قادرة على استكناه عوالم النص ومعماريته قبل غيره، وعارفة بحراك المشهد القصصي وتحوّلاته. وهذا النوع من المبدعين وحده هو الذي يستطيع اكتشاف ما يبدو زائداً على جسد النص، وما يشرخ بناءه، وما لا يمنحه هويته المميزة له من غيره من نصوصه السابقة من جهة، ومن نصوص غيره من جهة ثانية.

لا أكتمك بأنني أمارس نوعاً من الاستبداد بحقّ النصوص القصصية التي أكتبها، وبأنني دائم الترجّح بين فطرية القاص ومنهجية الناقد، ولذلك فإن أكتب ما أسمّيه بالحوليات القصصية، أي ما أظلّ أشتغل عليه لمدة عام ويزيد أحياناً. ولا أكتمك أيضاً بأنني مسكون بهاجس المغايرة والإضافة، ومسوّغ ذلك - كما أرى - طبيعتي الانفعالية التي تضيق بالمتشابه، وبالساكن، والمستقرّ. وليس مسوّغه الناقد فيّ، أو اشتغالي الأكاديمي في هذا المجال، وإن كنت لا أنكر بأن هذا الناقد يمارس سطوة على القاص في داخلي، وبأنه - أحياناً - يسلبني تلك الفطرية التي أشرت إليها سابقاً، ويدفعني إلى إعادة كتابة النص أكثر من عشر مرّات، وفي أوقات متباعدة نسبياً، وإلى تمزيق كل ما كتبت وأنا راضٍ أحياناً أخرى.

لقد حاولت، كثيراً، عدم الإنصات إلى صوت الناقد فيّ، مصغياً إلى صوت القاص فحسب، لكنني لم أستطع، وقد اكتشفت فيما بيني وبين نفسي أنني أحترم المتلقّي الذي أتوجّه إليه، وأرى أنه أذكى ممّا يظنّ بعضهم عادة، ولذلك أعاود الاشتغال على ما كتبت، محاولاً - ما استطعت - أن أقيم توازناً بين الصوتين، معترفاً بأهميتهما معاً. وليس غلوّاً أن أقول لكِ بأن عملي في الحقل النقدي قد حوّل مسار تجربتي القصصية إلى منحى آخر مختلف تماماً عن بواكير هذه التجربة لدي، ولذلك فثمّة ما يشبه القطيعة بينما قدّمته مجموعتاي: ”مكابدات يقظان البوصيري“، و”الأفعال الناقصة“، وروايتي البكر: ”جمر الموتى“، وما تقدّمه الآن مجموعتي الجديدة: ”طائر الجهات المخاتلة“ التي تمثّل - كما أزعم - إضافة واضحة إلى مسيرتي في المجال الإبداعي. أقصد أن الناقد فيّ لم يكن رقيباً بالمعنى السلبي لمفهوم الرقابة في المجتمعات المتخلّفة، بقدر ما كان إيجابياً، ومحرّضاً، وموسّعاً من أطياف الوعي الجمالي بمعنى الإبداع. إن الكاتب القصصي غير المزوّد بثقافة نقدية، وغير المطلّع على إنجازات النقد المعاصرة ومصطلحاته، محكوم عليه بالوقوف في جغرافية ثقافية ضيّقة، لا تتجاوز نفسها من جهة، كما لا تتجاوز السائد في المشهد القصصي من جهة ثانية. إنني أحبّ الناقد فيّ كما أحبّ القاصّ والروائي، وأنظر إلى كليهما كما لو كانا شمساً وقمراً، أو قمراً وشمساً. صيفاً وشتاء، أو شتاء وصيفاً. ليلاً ونهاراً، أو نهاراً وليلاً.. لا يحيا أحدهما بغياب الآخر.

- المشهد الثقافي العربي يمرّ بإشكالات مختلفة تدلّ على صحّته وحياته المشتعلة، المتجهة نحو نهوض حضاري جسّده الشعر / القصّة / الرواية / النقد.. كيف تتعامل مع تداخل الأجناس؟

- لا أتفق معك، أولاً، على أن المشهد الثقافي العربي معافى وعلى أن حياته مشتعلة، فراهن هذا المشهد يؤكّد نقيض ما تذهبين إليه بما يضطرم داخله من علل وأورام تكاد تأتي على هذه الحياة وتنتهي بها إلى العدم. صحيح أن ثمّة محاولات لاستنهاض الأجناس التي ذكرتها من مواضعاتها البائتة، وصحيح أن هذه المحاولات تعني تحرراً من أغلال التقاليد التي صفّدت هذه الأجناس في أقبية تأبى مثاقفة الآخر والاستفادة من إنجازاته الجمالية، لكن الأكثر صحّة أن ذلك كلّه يبدو نوعاً من الصراخ في برّيّة شاسعة، أو نوعاً من الاستغاثة بفراشة في غابة من الطيور الجارحة. مشهدنا الثقافي العربي يغصّ بما يدمي الروح، جزء منه مثخن بالأوهام، وجزء آخر تصوغه الأيديولوجيات العوراء، وجزء ثالث تحكمه أعراف العصابات، وجزء ناحل، ناحل كثيراً، يهجس بالثقافة ويعدّها حالة حضارية كما تقولين.

أمّا فيما يتصل بتداخل الأجناس الأدبية وكيفية تعاملي معها، فإنني أرى أن الحدود القائمة بين الأجناس الأدبية حدود زائفة تمّ اصطناعها في النقد وتصديرها إلينا بوصفها مسلّمات لا يجوز اختراقها أو الإطاحة بها، وإنني أنظر إلى النص الإبداعي بوصفه نصّاً فحسب، دون "تجنيس" له، وبأن ثمّة تراسلاً بين الأجناس جميعاً، تتقاطع فيما بينها، ويقترض كلٌ منها ما يثريه من الآخر، وقد كتبت نصوصاً وفق هذه الرؤية، أي دونما انصياع لقوانين أو أعراف جمالية، لكنني فيما كتبته كلّه ظللت أحفظ للنص هويته، انتماءه إلى جذور يصدر عنها.

واسمحي لي أن أشير إلى أن ثمّة وهماً يتصل بتداخل الأجناس، وهو أن هذا التداخل إنجاز وافد إلينا من الغرب الذي أنتج في السنوات الأخيرة ما يسمّى بـ”النصّ“، أي الكتابة الإبداعية التي لا تنتمي إلى جنس أدبي محدد، وأبدينا - كعادتنا دائماً - حفاوة بهذا النوع من الكتابة الوافدة، ومن غير أن نعلم - بسبب جهلنا بموروثنا - أن في أدبنا العربي القديم نماذج لنصوص عصية على التصنيف في حقل إبداعي واحد، أو نماذج تستجمع لنفسها خصائص الأجناس الأدبية جميعها.

- الملاحظ في تجربتك القصصية المميزة منذ مجموعة: ”الأفعال الناقصة“ وحتى ”طائر الجهات المخاتلة“ انزياح نحو شعرية البنية التي تمنح القصّة فضاء متحرراً يوسّع حدثه الفني كفائض للحدث الحياتي، وكامتداد له يرتكز على الأسطرة ليخالف المألوف منجزاً بصمتَه، وهذا شكل يمارس تفاعله داخل العمل الحكائي ليكتب حالته المتعددة في المحتمَل. ما رأيك بقصّة الحالة، وما عناصرها المتحوّلة التي ترتقي بالعناصر القصصية الثابتة؟

- أشعر بغبطة عارمة حين يتمكّن متلقّي نصوصي من القبض على الجوهري فيها، على سماتها ومكوّناتها وكيفيات أدائها، وأنتِ من هذا النوع الحصيف من المتلقّين الذين يمسكون بتلابيب النصّ، ويغوصون على العمق فيه، وببصيرة نافذة يستطيعون اكتشاف حوامله الجمالية. هذا الانزياح نحو شعرية البنية، لا شعرية الحدث كما تنبهت، يشكل أحد هواجس الكتابة لديّ، لأنني أكره ”الحكي“ بمعناه الشائع، وأحبه بمعناه الفنّي / الجمالي، أي بما يمنح النص المكتوب معنى ”الأدبية“ فيه، ولذلك ترينني دائب البحث عن صياغات وأساليب تعبير تطوّح بالناجز، وبالمستقرّ من الأعراف الجمالية، وتطمح إلى إنتاج أعرافها المغايرة، أدائها المغاير، ولغتها المغايرة التي تحاول الاستفادة من الموروث بتجلياته كافّة، الأساطيرية والحكائية والشعرية.

على أنني لست مع هذه التصنيفات التي تحقلن النصّ الإبداعي في مسمّيات، أي فيما يُعرف بقصّة الحدث، وقصة الحالة، والقصة الخاطرة، وغيرها. القصّة قصة وكفى، إنها جنس أدبي غير مستقرّ، ويجب ألا يكون مستقراً، ومتى استقرّت الكتابة غلّت ذاتها بأصفاد السكون، والمشابهة، والتكرار.

لنسمّ النص الذي نقرأه بأي اسم كان، ولكن على هذا النص أن يجعلنا نلهث وراءه منذ مفتتحه حتى آخر كلمة فيه، وأن نشعر بأنه يخاطب أرواحنا ولا يخاطب أسماعنا، أرواحنا التي تحتاج إلى ما يزيل الصدأ عنها، الصدأ الذي أنتجه الاستهلاك وتسليع كل شيء.

- النقد العربي ما زال يرتّب حداثته ليلحق بالنصوص الإبداعية. كيف سيخرج المشهد النقدي من أزمته؟ هل عن طريق تبسيط أدواته؟ أم عن طريق فهم القارئ للنقد على أنه علم وفنّ وإبداع؟ أم ذلك كلّه وغيره؟ ما رأيك؟

- الخطاب النقدي العربي المعاصر لا يعاني أزمة، بل أزمات. من أهمّها، بل من أهمّ سماتها وأخطرها كما أرى أنه خطاب ذيليّ، تابع، لا هويّة خاصّة به. يتلقّف إنجازات الآخر من دون زاد معرفي كافٍ بها، ومن دون استيعاب دقيق لمصطلحاتها، ويقارب النصوص الإبداعية العربية وفق ذلك، ومن غير تقدير للشروط التاريخية / الجمالية التي أنتجتها. ما إن ينجز الآخر، غير العربي، اتجاهاً نقدياً حتى يبدي الخطاب النقدي العربي حفاوة مجّانية بما أنجزه هذا الآخر، وكثيراً ما تأتي هذه الحفاوة في وقت متأخر، في وقت يكون الآخر معه قد أدار ظهره لما أنجز، وبدأ إثارة أسئلة نقدية جديدة، ومصطلحات نقدية جديدة. ومن أزمات هذا الخطاب، كما أرى أيضاً، أنه خطاب صحفي، مراجعاتي في الأغلب الأعم، يعتاش على النصوص ولا يعيد إنتاجها أو استكناه مكوناتها، وهو بهذا المعنى خطاب تالٍ للنص وليس موازياً له، ولعلّ ذلك ما يدفع الكثيرين إلى القول إن هذا الخطاب يبدي لهاثاً وراء النصوص التي تبدو متقدّمة على آليات المقاربة فيه، ولعل ذلك ما يدفعهم أيضاً إلى الاعتقاد بأن هذا الخطاب يعاني نوعاً من العجز حيال ما تنتجه الحداثة. ذلك كلّه صحيح، لأن العملية النقدية استبيحت، وصار يمارسها من لا مخزون معرفياً لديه بأبجدياتها، أو من لا يعرف من الجمل غير أذنه كما نقول نحن في حلب.

إن القراءة المحايثة للنص هي القراءة الأكثر كفاءة في اكتشاف آليات إنتاجه وكيفيات أدائه الفنّي، وهذه القراءة تتطلب في الوقت نفسه متلقياً حصيفاً، مزوّداً بثقافة نقدية قادرة على استيعاب المصطلح، ومواكبة لتحولاته.

-  ما أهمّ سمات القصة السورية؟ وكيف يرى المبدع نضال الصالح مستقبلها؟

- أزعم بأنني قلّة من المهمومين بمتابعة الإصدارات القصصية والروائية في الوطن العربي، وأزعم أيضاً بأن ثمّة إصدارات في بعض المواقع من الجغرافية العربية المهمّشة ثقافياً، أو التي وقر فينا، على نحو خاطئ، عطالتها الثقافية أكثر أهمية، وأكثر مواكبة لإنجازات الإبداع وتحولاته ممّا ثبتته وسائل مختلفة عن كثير من الأسماء التي ما نزال، أو التي ما تزال هذه الوسائل تبدي حفاوة بها. وللإنصاف أقول إن المشهد القصصي في سورية لا يختلف كثيراً عن غيره من المشاهد القصصية العربية، ولا يمتلك سمات المغايرة لها، إنه جزء منها في الأغلب الأعم، بل إن كثيراً من نتاجه يبدو متأخراً عمّا يتمّ إنتاجه في تلك المواقع التي أشرت إليها سابقاً.

المشهد القصصي السوري الراهن ما يزال، في أكثره، أسير التقاليد القصصية التي أنجزتها بواكير القص في أدبنا العربي الحديث، وما تزال سطوة الحكائي تمارس حضورها فيه، وما يزال كثير من المشتغلين فيه أرقّاء الأيديولوجيات التي ينتمون إليها، وصرعى نرجسيات ترى في كلّ ما تنتجه إبداعاً. غير أن ذلك كلّه لا يعني سكونية هذا المشهد أو عطالته، فثمّة أسماء تصوغ الجديد والطازج فيه، وهذه الأسماء هي التي ستصنع مستقبله، وهي الأكثر بقاء في الذاكرة الجمعية، وإن كانت هذه الذاكرة تعاني هي الأخرى تشويهاً وتكريساً للزائف والطارئ من معاني الحياة والوجود.

 

 

Hit Counter