|
نُشر الحوار في صحيفة: ”الجماهير“. العدد (11597). تاريخ: 15 / 6 / 2004.
وفي ملحق ”الثورة“ الثقافي. العدد (418). تاريخ: 1 / 7 / 2004.
يحرص في مقارباته النقدية على استجلاء حقائق النص، أي ما يقوله النصّ نفسه لا ما يقوله ما هو سابق عليه. ولذلك لا يجامل، ولا يتقنّع، ويسعى إلى الكشف عن القيمة الحقيقية للنص من دون أن يضع منجز النص في اعتباره. همّه الإبداع نفسه، والأداء الفنّي.
الدكتور نضال الصالح باحث، وناقد، وقاصّ، وروائي. يمتح من فضاءات الفكر طريقاً للتعبير، ومن فضاءات القصة والرواية طريقاً للنقد، ومن مخزونه اللغوي والإبداعي والتخييلي أسلوباً للسرد والنقد.
حول موضوعات في النقد، والثقافة، واللغة، كان لنا معه هذا الحوار:
1- تُنسب إلى النقّاد تهمة التقصير في جمع جهودهم في بوتقة واحدة لتوليد نظرية نقدية عربية حديثة، إلامَ يرجع السبب؟
- على الرغم من انتمائي إلى هذه الأمة، واعتزازي بهذا الانتماء، فليست لديّ أوهام بأنّ ثمّة ما يسوّغ الدعوة إلى نظرية نقدية خاصة بها، لأنّ النظرية النقدية ليست حكراً لأمة، أو شعب، أو ثقافة، ولأنّ أيّ نظرية، مهما كان مصدرها، تُعنى بالإبداع بمعناه الإنساني وليس بما يشير إلى اثنية بعينها، أو دين بعينه، أو.. ولأنّه ثالثاً ما من نظرية نقدية لدى الآخر غير العربي، بل ثمة نظريات، حتى لدى الأمة الواحدة.
ثمّة وهم معرفيّ بأنّ ثمة نظرية نقدية غربية، وبأننا يجب أن نواجه تلك النظرية بوصفها فعالية وافدة بنظرية تنتمي إلينا، ونغلق إبداعنا عليها، وندير ظهورنا لسواها من إنجازات الأمم والشعوب الأخرى. نحن أمة لها تراثها، وذاكرتها، وهويتها الخاصة بها؟ نعم، ولكن تلك الأمة لم تنجز ما أنجزته في تاريخها إلا عندما فتحت نوافذها لإنجازات الآخر، وعندما عبّرت عن قابلياتها غير المحدودة، واستجاباتها المتعددة لتحولات الحياة حولها. يمكن الحديث، بل يجب الحديث عن إبداع عربي له هويته، وخصوصيته، وملامحه المميّزة له. إبداع ينطلق من الواقع العربي، ويرتبط به، ويؤسس لكتابة تشبه نفسها ولا تشبه سواها. أمّا القول بضرورة وجود نظرية نقدية أدبية خاصة، فليس له ما يسوّغه علمياً، كما ليس له ما يسوّغه فكرياً وحضارياً، للأسباب التي أشرت إليها آنفاً، ولسواها ممّا ينتمي إلى ظلّ الحقيقة لا إلى الحقيقة نفسها.
إنّ تحصين الذات القومية بمضادات كافية تقي تلك الذات ذوبانها في الآخر، أو التماهي معه، لا يتحقق من غير الانفتاح على الآخر، ومثاقفته، واستثمار إنجازاته. ومواجهة محاولات السلب والانتهاك للهوية لا تنتهي إلى شيء إذا لم يكن ثمة وعي كافٍ بأنّ الإنساني شرط لازم للقوميّ، وبأنّ هذا الأخير ينأى بنفسه عن التاريخ حين ينأى بنفسه عن الأول، وحين يكتفي بذاته ويعتقد امتلاكه وحده للحقيقة بمعناها المطلق.
2- لا شك أنّ المناهج النقدية هي مناهج غربية غريبة عن الإبداع العربي، أيّ المناهج في رأيك أقرب إلى هذا الإبداع، وهل من الممكن التأسيس لنقد أدبي عربي يكون نابعاً من خصوصية من ذلك الإبداع نفسه؟
- أيّ ممارسة نقدية تنطلق من منهج نقدي محدّد ولا تنطلق من النص نفسه فعالية خارج نصية، تحاكم النصّ وفق مقاييس خارجية، وتخضعه للمنهج الذي انطلقت منه. وغير خافٍ أنّ هذا الشكل من النقد هو أسوأ أشكال الممارسة النقدية، وهو أشبه ما يكون بسرير (بروكست) في الأسطورة اليونانية.
من البدهي، بل من الضرورة العلمية، أن يكون لدى الناقد الأدبي مخزون معرفي واسع بمجمل المناهج النقدية، ومن البدهي، ومن الضرورة العلمية أيضاً، أن يسائل الناقد النصّ الذي يشتغل عليه وبه من خلال منهج نقدي يفرضه النصّ نفسه، وعلى نحو منبثق من النصّ، لا من شيء سابق عليه.
النصّ الإبداعي هو الذي يحدّد المنهج النقدي الأكثر كفاءة في تفكيكه وإعادة تركيبه والغوص على الجوهريّ فيه، وهو الذي يحدّد آليات الدرس النقدي له، وأي محاولة لا تنتمي إلى هذه الحقيقة تلوي عنق النصّ لصالح المنهج الذي انطلقت منه، وتخضعه لمقولات ناجزة، وغير معلّلة علمياً في كثير من الأحيان.
أمّا فيما يتصل بإمكان التأسيس لنقد عربيّ يكون نابعاً من خصوصية الإبداع العربي، فأرى أنّ الفعاليتين متلازمتان، بمعنى أنه إذا كان ثمة إبداع عربيّ له خصوصيته وملامحه الخاصة به فسيكون ثمة نقد أدبي عربي له خصوصيته وملامحه الخاصة به أيضاً حينما تنطلق الفعالية النقدية من الإبداع نفسه. وغياب مثل هذا النقد مرتبط في جذره بغياب الوعي بمعنى الدرس النقدي، بل قولي إذا شئت بغياب الناقد الحقيقي الذي يواجه النص الإبداعي بهذا النص نفسه، والذي يجعل من ممارسته النقدية كتابة إبداعية ثانية للجذر الإبداعي الذي تشتغل عليه وبه تلك الممارسة.
إنّ الناقد الحقّ هو ذاك الذي يستثمر المناهج كافة في تطبيقاته النقدية، وهو ذاك الذي يبثّ في تلك المناهج روح الحياة، فيحوّلها من حال السكون إلى حال الحركة، أي من كونها مادة نظرية إلى كونها أداة في الدرس النقدي لا الدرس النقدي كلّه.
3- أفهم من كلامك دكتور أنك مع المنهج التكاملي الذي دعا إليه وتبناه عدد من النقاد.
- ليس ثمة منهج نقدي بالمعنى العلميّ الدقيق يمكن الاصطلاح عليه بالمنهج التكاملي، لأنّه ما من منهج نقدي بالمعنى العلمي الدقيق أيضاً يمكن أن يكون مجموع مناهج، ولأن تكاملية المناهج النقدية في التطبيق النقدي فعالية تلفيق وليست نقداً. لكلّ منهج نقدي أدواته، ومنطلقاته، ومصطلحاته، وإجراءاته الخاصة به، ولذلك فإنّ محاولة الجمع بين غير منهج نقدي في دراسة نصّ إبداعي واحد أشبه ما تكون بمحاولة الجمع بين فصول السنة الأربعة في لحظة زمنية واحدة.
المنهج التكاملي، إذا سلّم المرء بالمصطلح، يخلط المتضادات فيما بينها، ويزيّف معنى الممارسة النقدية، ويقوّض هويتها، وينفي عنها انتماءها إلى شيء محدّد. وعندما قلت إنّ الناقد الحقّ هو ذاك الذي يستثمر المناهج كافة في تطبيقاته النقدية لم أكن أعني ذلك في دراسة النصّ الإبداعي الواحد، بل ما يعبّر عن الحمولة المعرفية لدى هذا الناقد بمختلف مغامرات الفكر في حقل الفنّ عامة، والأدب خاصة. وبهذا المعنى، فإنني لا أتفق مع مجمل ما انتهى إليه دعاة ذلك المنهج، من ”ستانلي هايمن“ إلى متابعيه من العرب: شكري فيصل، جميل صليبا، ونعيم اليافي، رحمهم الله جميعاً، إلى سواهم، لسبب مركزي هو صواب التكامل وضرورته في مختلف شؤون الحياة سوى النقد الأدبي.
4- ننتقل دكتور إلى محور آخر.. كيف تنظر إلى موضوعتي الحداثة والتجريب وعلاقتهما بمثيلاتهما في الغرب؟
- الحداثة والتجريب سمتان حضاريتان، تعنيان، فيما تعنيانه، الانتماء إلى روح العصر، ومواكبة التحولات الجارية فيه، ومحاولة ابتكار بدائل للمستقرّ والثابت في الإبداع. ولأنهما كذلك فثمة ما يدعو إليهما في الإبداع العربي، بل في الحياة العربية عامة، وثمّة أيضاً ما يجعل منهما ضرورة لا تتصل بالراهن فحسب بل تتجاوزه إلى المستقبل بآن.
نحن أحوج ما نكون إلى التحرّر من أوهام الذات التي تحصّن نفسها ضدّ كلّ ما هو وافد، والتي تعدّ كلّ ما هو وافد أيضاً بدعة يجب النظر إليها بكثير من الريبة. ثمّة الكثير ممّا يمكن أن نفيد منه، وأن نستثمره في صياغة إبداع جديد، لا يعيد إنتاج ما سبقه، بل يضيف إليه.. إبداع متحرّك لا يرهن نفسه للمتواتر والمكوَّن (بفتح الواو وتشديدها)، ذلك أنّ أيّ كتابة تدير ظهرها لشرطها التاريخي / الجمالي ليست كتابة ساكنة فحسب، بل محكومة بالفناء لحظة ولادتها أيضاً.
5- لماذا يكون التجريب في مجال الشعر أكثر منه في مجالي القصة والرواية؟
- لا أتفق معك في هذه النتيجة، فالسرد عامة أكثر رحابة لممارسة التجريب، ومن قرائن ذلك مكوّنات السرد نفسه: الشخصيات، والفضاء، والبناء الزمني، وأساليب السرد، والمنظور السردي، و.. صحيح أنّ الشعر فنّ التحوّلات الجمالية الكبرى، لكن الأكثر صحّة أنه ليس الحاضنة الأرحب للتجريب، إنه أحد أشكال الإبداع طواعية للتجريب فحسب، وليس أكثرها طواعية له.
في القصة والرواية فضاءات غير محدودة للتجريب، فضاءات تؤكد القابليات الكثيرة لكليهما في إنجاز كتابة مفارقة للسائد، كتابة فائضة بالحساسيات الجديدة، كتابة ما إن تجد نفسها أسيرة نفسها حتى تبدي تمرداً عليها وتسعى إلى تقويضها، ليس رغبة في الهدم، بل رغبة في الهدم من أجل البناء.
6- ما دور الجامعة، ولاسيما كليات الآداب، في إعداد طلاب يسهمون في إحياء التراث وتجديده، باعتبار أن مناهج التعليم فيها تبلور ما قدّمه الأسلاف من نظريات نقدية، وكذلك تبرز ما استوردناه من مناهج نقدية غربية؟
- أكتفي بالإجابة على هذا السؤال، وفيما يتصل بالجامعة وكليات الآداب، باستعادة قول الشاعر: (في فمي ماءٌ وهل / ينطقُ مَن في فيه ماءُ؟).
7- مع ازدياد وسائل الإعلام المختلفة، وفي ظلّ دخول اللغات الوافدة إلى البيت العربي، ما هي الجهود التي يجب أن تبذل للنهوض باللغة العربية قبل فوات الأوان؟
- علينا أن نفرّق بين شكلين من اللغات الوافدة: لغة المصطلحات، ولغة الكلام. في الأولى ليس ثمة ما يقلق، ويجب ألا يكون ثمة ما يقلق حينما يتعلّق الأمر بالمصطلح العلميّ، وبما هو وثيق الصلة بالمشترك بين الأمم والشعوب كافة، فأنا لا أجد ضيراً، على سبيل المثال، في الاكتفاء بمفردة الكومبيوتر، وفي استخدامها وحدها، كما لا أجد أن ثمة ما يستوجب استخدام بديل لها هو الحاسوب، وكذلك التلفزيون، و.. المشكلة الوحيدة هي في لغة الكلام، تلك التي غزا الكثير منها منطوقنا اليوميّ، والتي تتدافع على ألسنة هذا الجيل كما لو أنها لغة الأجداد والآباء. وغير خافٍ أنّ مواجهة تلك المشكلة تتطلّب مواجهة الأسباب التي أنتجتها، ومن تلك الأسباب ضعف أداء المؤسسات التعليمية العربية فيما يتصل بلغتنا الأم، وتشويه وسائل الاتصال الجماهيري، بأشكالها المختلفة، لتلك اللغة، و..
8- إذا قارنا بين وضع اللغة العربية في سورية ووضعها في أقطار عربية أخرى فسنجد أن سورية متقدمة في هذا المجال.
- أوافقك على ذلك إلى حد ما، فما تقولين حقيقة، ولكنها حقيقة نسبية، فبعد عملي في التدريس في إحدى العواصم العربية، وجولاتي المختلفة في غير قطر عربي، تأكد لي ذلك، أي أن وضع لغتنا الأم أحسن حالاً من وضعها في الأغلب الأعم من أقطار الوطن العربيّ، كما تأكد لي أيضاً أنّ هذا الوضع لم يعد كذلك في السنوات العشر الأخيرة تقريباً، للأسباب السابقة التي ذكرت قبل قليل، ولسواها، فالتعليم لدينا، في مختلف مراحله، لم يعد كما كان، والمتخرجون في أقسام اللغة العربية في جامعاتنا ليسوا بالكفاءة نفسها التي ميزت الأجيال السابقة لهم، لا لتقصير منهم فحسب بل بفعل عوامل عدة لا ناقة لهم فيها ولا جمل أيضاً، ووسائل الإعلام، التلفزيون والإذاعة خاصة، التي كانت تبدي حرصاً على تأهيل العاملين فيها دائماً لحقت بسواها من وسائل الإعلام في الأقطار العربية الأخرى.
9- الثقافة فعل تجديد وتغيير، كما هي عامل دفاع عن الأمة وأصالتها. ما الذي يمكن أن تقوله للأجيال الشابة التي يعوّل عليها ببناء مستقبل لهذه الأمة التي تحدق بها الأخطار من كل جانب؟
- لا أريد أن أرتدي عباءة الواعظ، ولا أحبّ الوعظ.. أحبّ المثل الذي يحفّز على الاقتداء به، والذي يجب أن يجده الشباب أمامهم في كلّ مكان: في البيت، والمدرسة، والجامعة، والعمل، و.. وبغياب المثل لا يمكن أن نراهن على المستقبل أبداً.
الجيل الجديد الذي طالما اتهم بالعبث، وبضعف الإحساس بالمسؤولية، وباللهاث وراء الزائف واليومي والطارئ، وبحمّى الوصول إلى كلّ شيء من دون عناء أو جهد، و.. هذا الجيل ليس له ذنب في ذلك كلّه وفي سواه، ذنبه ينحصر في استسلامه لإرادات الواقع حوله فحسب، بل في عدم وجود مُثُل يقتدي بها: لا في البيت، ولا في المدرسة، ولا في الجامعة، ولا في العمل، فالأغلب الأعمّ من مكوّنات الواقع حوله مصاب بالعطب على غير مستوى.
دعيني أجهر بالحقيقة كاملة، نحن من يستحقّ التقريع وليس هذا الجيل، لأننا لم نحسن تقديم الأمثلة له.. يفتح الشاب عينيه على الحياة، فيجد أنّ الانتهاز، والأنانية، والفساد، والقيم المضادة للحقّ والخير والجمال، والسعي وراء الامتيازات الخاصة، وتشويه الحقيقة، وتكريس نقيضها، وسوى ذلك، هي ما يحكم إيقاع تلك الحياة، بل هي وحدها ما يمكّنه من تحقيق ما يطمح إليه. وحال كهذه، وإيقاع ناشز كهذا، هما وحدهما ما يستحقان التقريع واللوم، وليس هؤلاء الشباب الذين نتفنن جميعاً في إطلاق النعوت الجائرة عليهم.
أعود إلى أطروحة المثل، وأعتقد أنها الأطروحة الوحيدة القادرة على الصمود في وجه الانهيارات المتلاحقة لهذا الجيل الذي أتمنى أن يثأر لنا من أنفسنا، وأن يطهر هذا الواقع من الآثام التي تفتك به وتبدّد قيمه.
10- اسمح لي أن أسألك أخيراً عن رؤيتك للحركة النقدية في سورية.
- يشبه الحديث عن نقد أدبي في سورية الحديث عن شيء موجود وغير موجود بآن، شيء لا ملامح تميّزه وله ملامحه المميزة بآن ثانياً، شيء متعيّن بالزمان والمكان وخارج الزمان والمكان بآن ثالثاً، ورابعاً، وخامساً..
في سورية، منذ نحو عقدين من الزمن، ظلال حركة نقدية أدبية، وليس ثمّة حركة نقدية أدبية بالمعنى الدقيق للتعبير. لأسباب كثيرة يمكنني إجمالها بثلاثة: نحول الدور الذي تؤديه الجامعات في هذا المجال، والاختلاطات الكثيرة التي تعانيها الصحافة الثقافية، والوعي بمعنى النقد.
فعلى حين نشأ معظم التيارات النقدية الحديثة وترعرع في رحم الجامعات الغربية، لم تستطع جامعاتنا، إلى الآن على الأقل، إنجاز حركة نقدية، بل التأسيس لحركة نقدية لها سماتها الخاصة بها من جهة، ودالّة على أصوات نقدية فاعلة من جهة ثانية. ومسوّغ ذلك زيف الأغلب الأعمّ من الرسائل الجامعية التي لا صلة للأغلب الأعمّ منها أيضاً بمعنى البحث العلمي، وأدواته، وقيمه. فالكثير من تلك الرسائل ينتمي إلى حقل التوليف وليس إلى حقل التأليف، أي أنه فعالية جمع ليس غير، والكثير الآخر منهوب من جهود الآخرين، وقلة لا تشكل ظاهرة تستحق شرف الانتماء إلى ذلك المعنى، وأدواته، وقيمه.
ولعلّ أبرز الاختلاطات التي تعانيها الصحافة الثقافية في هذا المجال أنّ معظم الكتابات التي تنشرها حول المنجَز الإبداعي مفارق تماماً لأبجديات الممارسة النقدية، إنّها مراجعات لذلك المنجَز وليست نقداً. أمّا الوعي بمعنى النقد فإنه يترجح لدينا بين نسقين متضادين: ذرائعي يستهدف إما المديح أو الهجاء، ونفعي يستهدف مكسباً مادياً أو ما يشبهه. والنسقان كلاهما يستبدان بمعظم الأداء النقدي لدى معظم المشتغلين بالنقد، أمّا النقد المخلص لوجه الحقيقة الإبداعية فهو، كالرسائل الجامعية التي تستحق شرف الانتماء إلى معنى البحث العلمي وأدواته وقيمه، لا يشكّل ظاهرة. وغياب، أو تغييب، هذا النقد لا يعنيان نفي الحقيقة فحسب، بل تكريس نقيضها أيضاً.
|