|
حوار: غازي حسين
العلي
تعرّفتُ إلى نضال الصالح منذ نحو ربع قرن من الزمن، وكنّا
وقتئذ ما نزال في مرحلة الشباب المبكّر. وعلى عكس الكثير من
أبناء جيلنا كان نضال الصالح يفيض حيوية ونشاطاً وهو يسعى بكل
ما يمتلك من جهد وموهبة لأن يحجز لنفسه مقعداً متقدماً في
المشهد الثقافي السوري. ومع أنه من أسرة كادحة، فقد صارع الزمن
والحاجة، إلى أن استطاع إكمال دراساته العليا، ونال شهادة
الدكتوراه في النقد الأدبي الحديث، لينضمّ بعد ذلك إلى أسرة
جامعة حلب مدرّساً لمادة النقد الأدبي الحديث.
حقّق الدكتور نضال الصالح، عبر مسيرته الثقافية، حضوراً نقدياً
فعّالاً، تناول خلالها أعداداً كبيرة من إبداعات الكتّاب،
ولاسيما في حقل القصة والرواية. وهو في دراساته النقدية هذه,
لم يتوقف عند الأسماء اللامعة التي ترسخت مع الزمن، بل تعداها
إلى الأسماء الجديدة التي ما تزال تبحث لنفسها عن هوية تمكنها
من الدخول
إلى قلب المشهد الثقافي, ما جعل هذه الأسماء ممتنةً له هذا
الجهد , الذي انصرف عنه الكثيرون .
في
مواجهتنا هذه
معه, ثمة تصريحات وثمة تلميحات, ولكن في مجملها, تسعى إلى خلق
سجال ثقافي حقيقي
يؤسس لواقع بديل.
1- سأبدأ معك من شؤون المشهد الثقافي وشجونه عامة، وها أنذا أنتظر ما
ستقوله لي وللقراء ممّا يبدو لك في هذا المشهد الذي طالما رددتَ أنّه
محتشد بالاختلاطات.
- وسأردّد، هنا والآن، ما كنتُ قلته، لأنّ راهن الثقافة السورية هو
ماضيها القريب الذي لم يتغيّر، ولأنّ معظم الذين كانوا معنيين بصناعة
القرار في الشأن الثقافي هم أنفسهم الذين يصنعون هذا القرار الآن
أيضاً، وثالثاً لأنّ معظم الأداء الثقافي عامة لمّا يزل لدينا فعلاً
وظيفياً أكثر منه ثقافياً.
أجل. إنه مشهد محتشد بالاختلاطات، فالأغلب الأعمّ ممّن يتصدّر الواجهة
منه مرتزق بالثقافة، بل بالكتابة على نحو أدقّ، ولا مشروع لديه تتجلّى
الثقافة معه ومن خلالها بوصفها فعلَ تنوير وتغيير. والأغلب الأعمّ من
الأوصياء في مختلف حقول العمل الثقافي مهموم بامتيازاته الخاصة لا
بالثقافة نفسها، ولذلك تتحدّد علاقته بالشأن الثقافي وبالمثقفين
الحقيقيين بحجم المغانم الفردية التي يمكن أن يستأثر بها، ولذلك أيضاً
يوزّع ”الأعطيات“ على مَن يمجّدونه، وعلى اللاهثين وراء حضور زائف هنا
وطارئ هناك.
ولكي لا أبدو كمن يراقب العالم بنظارتين سوادوين، فأستطيع أن أشير إلى
بعض علامات الضوء التي تنير حياتنا الثقافية بين وقت وآخر، والتي
تتطلّب من مجمل المعنيين بالثقافة توسيع الحدود التي تتحرك في مجالها،
من أجل التأسيس لواقع ثقافي بديل، تتجلّى الثقافة معه ومن خلالها
بوصفها شاغلاً لا بوصفها هامشاً.
2- ولكن هناك أيضاً ”أوصياء“، بتعبيرك، يعملون بإخلاص للثقافة.
- صحيح، ولكن الأكثر صحّة أنّ عدد هؤلاء لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة،
والأكثر صحّة أيضاً أنّ هؤلاء أشبه ما يكونون بفارس من فرسان القرون
الوسطى في مواجهة آخر، بل آخرين، مدججين بأسلحة دمار شامل، وقبل ذلك لا
قيم إيجابية لديهم. دعني أستعد معك المثل الشائع الذي يقول إنّ وردة لا
تشكّل ربيعاً.. ماذا تعني وردة أو وردات في صحراء مترامية الأطراف؟
الخراب الذي تعانيه الثقافة لدينا نتاج كمّ يكاد يكون مرعباً من الذين
وجدوا أنفسهم، في غفلة من الحقيقة، في الصفوف الأولى من مواقع صناعة
الثقافة أو إنتاجها، لكأنّ ثمّة إرادة عن سابق تصوّر لدى الذين جاؤوا
بهم إلى تلك الصفوف لتشويه المعرفة، والوعي، والتنوير، وسوى ذلك ممّا
يتصل بالثقافة عامة.
وردة هنا، وأخرى هناك، في زحمة أشواك برّية شرسة وطفيلية، لا تبدّد حال
التصحّر، التي تستشري في مشهدنا الثقافي، والتي تستلزم، كما أرى، إعادة
نظر جذرية في آليات تسمية صنّاع القرار في مختلف مؤسساتنا ومنابرنا
الثقافية، وفي مختلف وسائل الاتصال الثقافي لدينا.
إنني لا أشكّ في أنّ ثمّة مخلصين لهذا الوطن، وفي مواقع مختلفة من
مواقع صناعة القرار، وهؤلاء هم الذين يؤمنون بأنّ الفعل الثقافي حجر
الأساس في بناء مجتمع متقدّم حضارياً، لا استكمالاً للبناء نفسه، أو
تزييناً له، وهم أيضاً الذين يمثلون علامات الضوء الناصعة التي يمكن أن
تبني حركة ثقافية نابضة بالحياة.
3- لننتقل الآن إلى الصحافة الثقافية وحدها، ما الذي تثيره من شجون
لديك؟
- ثمّة أربعة أشكال للأداء الثقافي في إعلامنا المكتوب: أول ما تقدّمه
الصحف الرسمية الثلاث وصحف المحافظات بشكل يومي تقريباً، وثان ما
تقدّمه صحيفة تشرين في يومين من الأسبوع: مدارات“، و”عالم الكتب“،
والملحق الثقافي لصحيفة الثورة، وثالث ما يصدر عن وزارة الثقافة واتحاد
الكتّاب العرب، ورابع ما تنشره الصحف والمجلات الخاصة.
على الرغم من أنّ ثمّة فروقاً بين أداء وآخر، لا بين الأشكال وحدها بل
داخل الشكل الواحد، فثمّة بآن قواسم مشتركة بينها جميعاً، هو أنّ
الصحافة الثقافية السورية جزء من واقع الثقافة السورية عامة، أو شكل من
أشكال الخراب الذي يكاد يلتهم كلّ شيء حولنا.
لقد اتخذت قراراً منذ نحو خمس سنوات بألا أدفع مادة إلى الإعلام السوري
المكتوب، لأسباب مختلفة، آخرها نحول المكافأة المادية التي لا تتجاوز،
في أحسن الأحوال، ثمن قميص نصف جيد، وأوّلها وأهمّها عدم تمييز معظم
المسؤولين في مختلف مفاصل هذا الإعلام بين النقّاد المخلصين للحقيقة
وأشباه النقّاد المرتزقين بالكتابة، وبين المبدعين حقاً وأدعياء
الإبداع، وولع معظمهم أيضاً بصناعة إقطاعيات خاصة بكل منهم، لا تفتح
بوّاباتها إلا للمصفّقين لهم، ولمن لا يثنيهم شيء عن تقبيح الجميل
وتجميل القبيح، وقبل ذلك لمن يتسوّلون النشر في أيّ دورية كانت، ومهما
كانت الوسائل المؤدية إلى ذلك.
4- تعود أيضاً لتضع مختلف وسائل إعلامنا في سلّة واحدة، وأنت، ممّا
قرأت لك، تتجنّب التعميم فيما تنتهي إليه من نتائج.
- بالتأكيد لا أعني مجمل المسؤولين في وسائل الاتصال الثقافي عندنا،
وبالتأكيد لا أقول هذا خوفاً من أحد، أو نفاقاً لأحد، بل حرصاً على
الحقيقة وإخلاصاً لها، كما دأبت على ذلك منذ اخترت الاكتواء بجمر
المعرفة. ولكن، يا عزيزي، ما معنى أن يكون ثمّة مسؤول هنا، وآخر هناك،
ليسا على شاكلة أولئك الذين تحتشد بهم صحفنا ودورياتنا ومنابرنا
الثقافية، والذين يتناسلون كالطاعون في حياتنا؟
كنتُ مدعوّاً قبل نحو شهر للمشاركة في مهرجان العجيلي الأول للرواية
العربية الذي أقيم في مدينة الرقة، والذي كان ناجحاً ومهماً على غير
مستوى. وقبله في مهرجان جبلة الثقافي الذي كان ناجحاً ومهماً على غير
مستوى أيضاً. هذان المهرجانان، وسواهما ممّا يشكّل علامات فارقة في
أداء بعض مؤسساتنا ومنابرنا الثقافية، لا يشكّل ظاهرة في المشهد
الثقافي السوري. الظاهرة الأبرز والأعمّ والأكثر حضوراً في هذا المشهد
هو ما يبدو مثخناً بالسواد، وأشبه ما يكون بليل طويل أرخى سدوله على
كلّ شيء.
في الصحافة الثقافية السورية، بل في وسائل إعلامنا المختلفة جميعاً،
ثمّة عدد من المثقفين الحقيقيين، شعراء، وروائيين، وقصاصين، ونقّاد،
و.. وما من شك في أنّ لدى الكثير من أولئك رغبات صادقة ومخلصة لتأسيس،
ومن ثمّ لتكريس، قيم وتقاليد في العمل الثقافي. إنني أحترم أولئك،
وأجلّهم، وأتمنى أن تتاح لهم هوامش كافية لتحويل رغباتهم إلى واقع ناطق
بالكثير ممّا هو دالّ على أداء ثقافي مميّز، نستطيع أن نباهي به من
جهة، وأن ندفع به، من جهة ثانية، ليكون رافعة حقيقية للتطوير والتحديث
الذي نطمح إليه.
5- ما البدائل في رأيك للخلاص من هذا الذي تسميه ليلاً طويلاً؟
- كثيرة.. كثيرة جداً. أوّلها اختيار مثقفين للعمل الثقافي لا موظفين،
أعني أن يكون المسؤولون في مواقع صناعة القرار الثقافي من أوساط
المثقفين حقاً، لا من العاملين في المؤسسات الثقافية، وإذا لم يكن ذلك
ممكناً لأسباب بيروقراطية بحتة، فليكن أولئك العاملون ممّن يقدّمون
الولاء للوطن على الولاء لأنفسهم، والولاء للوطن يعني بالضرورة الولاء
للحقيقة التي تتضمّن في داخلها كلّ ما هو بهيّ، وناصع، ومضيء. وثانيها
البحث عن طاقات جديدة تعنيها تلك الحقيقة، وما أكثر تلك الطاقات بيننا،
ولكن ما من مسؤول يكلّف نفسه عناء الكشف عنها أو اكتشافها. معظم
المسؤولين لدينا يكتفون بما تمّ تكريسه في الحياة الثقافية من أسماء
وأصوات وتجارب صار الأغلب الأعمّ منها كالمستحاثات التي تليق بها متاحف
التاريخ.
دعني أقدّم لك، وللقرّاء، المثال التالي: أنت، وأنا، وأبناء جيلنا معاً
فتحنا عيوننا في منتصف السبعينيات على أسماء وأصوات لها قرص في كلّ
عرس، وهي هي منذ عقود، لم تضف شيئاً إلى تجاربها الأولى، ولمّا تزل
تستأثر بكلّ شيء، لكأنّ سورية عقمت، ولم يعد بإمكانها إنجاب أسماء أو
أصوات أو طاقات جديدة!!.
سورية وطن ولود بالكفاءات، والطاقات، والمخلصين لها، والمهمومين بما
يجعل منها في موقع الصدارة دائماً في مختلف شؤون الحياة، وتاريخها، منذ
نشأة الحضارات البشرية الأولى، يؤكّد ذلك. فقط نحتاج إلى إيمان ما، شبه
إيمان إذا شئت، بأنّ علينا جميعاً مسؤولية الكشف عن تلك الطاقات
واكتشافها بآن.
6- بعد ستة مؤلفات في نقد القصة والرواية، وعشرات الأبحاث في دوريات
محكّمة، ومتابعاتك المشهود لك بها لهذين الجنسين الأدبيين خاصة، كيف
تنظر إلى المشهد السردي في سورية؟
- كما ثمّة ثنائيات عدّة في الحياة عامة، ثمة في المشهد السردي السوري
غير ثنائية أيضاً.
ثمة إبداع روائي وحكايات طويلة، وثمّة إبداع قصصي وحكايات قصيرة، وثمّة
روائيون وقصاصون وحكّاؤون. ومن المفجع أنّ الأغلب الأعمّ ممّن يطفون
على السطح وتتردّد أسماؤهم وتُفسح لهم هوامش واسعة في وسائل الاتصال
الثقافي هم الحكّاؤون، أي الذين لا رصيد معرفياً لديهم بإنجازات السرد
وتحولاته، وبمعنى الإبداع ووظائفه.
ثمّة في سورية روائيون، وروائيات بالتأكيد، مبدعون بالمعنى الدقيق
للكلمة، ولكنهم لا يحظون بما يليق بإبداعهم من اهتمام ومتابعة، لأنّهم
مهمومون بالإبداع لا بتسوّل الشهرة والنجومية، كما ثمّة قصّاصون،
وقصّاصات بالتأكيد أيضاً، يمثّلُ إبداعهم إضافة حقيقية إلى تجربة القصّ
السورية، ولم ينل ذلك الإبداع ما هو جدير به من تقدير في وسائل الاتصال
الثقافي. بينما ثمّة حواة، ومهرّجون، وأشباه موهوبين، ولا يحسنون صياغة
جملة سردية واحدة، ويخطئون في النحو والإملاء، ويتم الاحتفاء بهم،
والتصفيق لهم، بوصفهم روائيين وكتّاب قصّة.
7- وما دور النقد؟ ألا ترى أنّ النقد يسهم في ذلك؟
- السمات نفسها تنسحب على واقع النقد أيضاً، فأشباه النقّاد هم الذين
يصنعون راهن الخطاب النقدي في سورية، وأولئك لا يعنيهم الإبداع، تعنيهم
فقط ”العائدات“ الرخيصة التي يمكن أن يحصلوا عليها من وراء تمجيدهم
لذلك الكاتب أو ذاك ومن تبخيس سواه. والظاهرة تتجلّى على نحو رثّ في
حقل الكتابة النسوية التي تبدو متخمة بمن لا ناقة لهن ولا جمل في مجال
الإبداع، فغالباً ما يتم الإعلاء من شأن إحداهن لأنها أنثى فحسب،
وغالباً أيضاً ما تتمّ إدارة الظهر لمن هي مبدعة حقاً.
ما من شكّ في أنّ ثمّة نقّاداً جديرين بالتقدير والاحترام في سورية،
ولكن ما من شك أيضاً في أنّ ثمّة باحثين، بالنقد وسواه، عمّا يعنيهم
على المستوى الخاص أكثر ممّا يعنيهم على مستوى الحقيقة، وهؤلاء يشكلون
النسبة الغالبة فيما يمكن عدّه مجازاً مشهداً نقدياً في سورية.
8- في كتابك الصادر مؤخراً: ”القصّة القصيرة في سورية“ خصصت جزءاً منه
للحديث حول القصّة القصيرة جداً، وانتهيت فيه إلى نتائج قاسية، لماذا
والقصة القصيرة جداً تؤكّد حضورها يوماً بعد آخر؟
- ما انتهيت إليه، وما لا أتفق معك في وصفك له بالقسوة، نتاج متابعتي
الدائبة والمضنية للمشهد القصصي السوري منذ نحو ربع قرن، ونتاج قراءتي
لنحو ثلاثمئة مجموعة قصصية ممّا صدر في عقد التسعينيات الذي شهد وحده
صدور نحو خمسمئة وثلاثين مجموعة، وقبل ذلك كلّه نتاج التجارب التي
تنتمي إلى ذلك الشكل من أشكال الكتابة القصصية، بمعنى أنّها منبثقة من
داخل الظاهرة لا من خارجها.
ليس لديّ موقف خاص من القصّة القصيرة جداً، كما يحلو لأصحاب التجارب
المتواضعة ترديد ذلك، ومن قرائن ما أقول أنني مارست كتابتها، ونشرت ما
كتبته في هذا المجال في غير مجموعة قصصية. المسألة يا صديقي تكمن في
أنّ معظم الذين كتبوا القصة القصيرة جداً فقراء موهبة، وفقراء معرفة
بالقصّ والإبداع عامة، وفي أنّ الذين طبّلوا وزمّروا للظاهرة هم كذلك
أيضاً، وثالثاً ودائماً وقبل كلّ شيء في أنّ المبدعين وحدهم لا يخشون
النقد، ويحرصون على سماع ما يُقال حول تجاربهم أو ما يكُتب عنها.
9- أعرف، كما يعرف سواي من المتابعين لك، أنك تجهر بآرائك النقدية،
وأنّ أصدقاءك من الكتّاب قلّة بسبب ذلك.
- ليكن، لا تعنيني الصداقات الزائفة، ولا العلاقات المستندة إلى مصالح
طارئة. إنني أقرأ وأكتب لأنني ارتضيت ذلك لنفسي بنفسي، لا بحثاً عن مجد
خاص، ولا لهاثاً وراء مكاسب مادية، ولا رغبة في الكتابة من أجل الكتابة
وحدها. أنا ابن طبقة اجتماعية اعتادت أن تأكل بعرق جبينها، أي بالحلال
كما يقال، وأن تمارس حياتها وفق قيم أخلاقية صارمة، ولن أبدّل انتمائي
إلى تلك الطبقة ما حييت، ولن أتقنّع يوماً من أجل إرضاء هذا الكاتب أو
ذاك.
لا أكتمك أنني كثيراً ما فكّرت في هجر النقد، والاكتفاء بعملي أستاذاً
جامعياً، لأنني كنت كلما كتبت شيئاً أو قلت شيئاً حول بعض التجارب
المتواضعة، مخلصاً في ذلك للحقيقة والإبداع، أثرت ضدي جيشاً من الأعداء
الصغار.
معظم الكتّاب لدينا يريدون قصائد مديح فيهم وفي كتاباتهم، مهما يكن من
أمر علاقة نصوصهم بالإبداع، ومن علاقتهم هم أنفسهم بالثقافة حقاً.
ولأنني لا يمكن أن أكون غير ما أنا عليه، أو غير ما ارتضيته لنفسي، فلن
أدع أمثال أولئك يتابعون تلويثهم لحياتنا الثقافية، ولن أسكت عن ذلك
الخراب الذي يستشري في جسدنا الثقافي بسبب ما يتناسل فيه من أنصاف
موهوبين، أو أشباه موهوبين، أو أميين؟ لن أسكت، وسأواصل جهري بالحقيقة
حتى لو تحوّل جيش الأعداء إلى جحافل.. أشعر بأنّ عليّ أداء رسالة في
هذا المجال، وسأقوم بتأديتها مهما كان الثمن.
10- لننتقل إلى جانب آخر، إلى تكريم المبدعين. كيف تراه في سورية خاصة؟
- دعني أؤكد أولاً على أن التكريم ظاهرة حضارية، لا يحرص عليها سوى
الشعوب والمجتمعات والسلطات التي تقدّر الإبداع، وتنظر إليه بوصفه
رافعة للتقدّم.
بعض الذين تمّ تكريمهم لدينا، على غير مستوى، جدير بذلك، ولكن ليسوا
جميعاً جديرين به. نحن لا نفرّق بين مبدع استطاع أن يشكّل بإبداعه
منعطفاً في الإبداع السوري، أي ظاهرة أحدثت تحوّلاً حقيقياً في الأداء
الإبداعي، وأثّرت على نحو لافت للنظر في جيل تال من المبدعين، وآخر
اكتسب أهميته ومكانته وحضوره بفعل عوامل مختلفة لا صلة للأغلب الأعمّ
منها بالإبداع نفسه. ووضع الفريقين معاً في سلّة واحدة ليس تزييفاً
للحقيقة فحسب، بل نفيٌ لها.
لقد كرّم السيد رئيس الجمهورية عدداً من مبدعينا الرواد الذين يمثلون
علامات مضيئة في تاريخ الثقافة السورية المعاصرة، وكان لذلك التكريم
أصداؤه الساحرة بين المثقفين جميعاً، لغير سبب، لتقدير السيد الرئيس
الشخصيّ للثقافة والمثقفين، ولجدارة المكرّمين بذلك. أمّا بعض الذين
تمّ تكريمهم في بعض جمعيات اتحاد الكتّاب العرب، وفي بعض مديريات
الثقافة في بعض المحافظات، فليس لديه من النتاج الإبداعي أو النقدي أو
الفكري ما يؤهله لذلك، ولئن كان ثمّة نتاج لديه فلا تأثير له أو أهمية
في الحياة الثقافية.
11- كيف تصف نفسك؟
- قارئ بامتياز، ومجتهد في النقد. القراءة لديّ هاجس يوميّ لا أحبّ
الخلاص منه، والكتابة استجابة لمعنى وجودي في الحياة، ومن دونهما وفي
غيابهما، طائعاً أو مكرهاً، لن أكون نفسي.
12- وبعد، وقبل أن نختتم هذا الحوار، وبكلمات قليلة، ما الذي يمكن أن
تكتبه إلى جوار كل من هؤلاء؟
نبيل سليمان: نصل حاد في صدر المقدّس.
ممدوح عزّام: صوت مميّز لم ينصفه النقد.
عبد السلام العجيلي: آخر الحكواتية العرب.
حنا مينة: لازمة ثابتة ومخلصة لشرطها التاريخي.
خيري الذهبي: علامة فارقة في التجربة الروائية العربية.
فواز حداد: حفّار بارع في تاريخ دمشق المسكوت عنه.
وليد إخلاصي: مخيّلة خصبة ومترفة بالعجائبيّ.
محمد أبو معتوق: صوت خاص لا يشبه أحداً.
أنيسة عبّود: شاعرة، وقاصة، وروائية.
|