|
نُشر الحوار في مجلة: "أخبار الأسبوع" القطرية.
- لماذا تكتب؟ هل كان ثمة عامل اقتصادي دفعك إلى الكتابة؟ أم الرغبة في الشهرة؟ أم الرغبة في التغيير؟ أم التعبير عن نظرة معينة إلى الحياة والمجتمع؟ أم القيام بواجب المثقف؟ أم الرغبة في التعبير عن المشاعر؟
- لماذا أكتب؟ كأنك تسألني لماذا لون عينيّ أسود، أو لماذا بشرتي سمراء، أو لِمَ يجتاح التصحر شعر رأسي؟ أو.. هذه الأشياء، والكتابة قبلها لم أخترها أنا.. وجدت نفسي ملتصقاً بها، أوهي ملتصقة بي منذ وعيت وجودي في هذه الحياة، بل قل منذ بدأت أول ارتطام لي بالواقع. آنذاك كانت الكتابة بالنسبة إليّ، وما تزال، فعالية تعبير ومقاومة.. فعل تعبير عن هواجس وأحلام وانكسارات كانت خاصة بي في البدايات، لكنها سرعان ما تحولت - مع تطور الوعي - إلى التعبير عن هواجس وأحلام وانكسارات الجماعة.
هل كان ثمة عامل اقتصادي؟ لا أعتقد ذلك، فالأدب في الوطن العربي لا يطعم خبزاً كما تعرف، مع أنني لا أنكر أن الأدب الذي كتبته قد أطعمني عسلاً. لقد تمكنت بالجائزتين الأدبيتين اللتين حصلت عليهما في مسابقتين ثقافيتين على المستوى العربي من شراء منزل لأسرتي، ولولاهما لظللت أنا وهذه الأسرة مشردين بين مكان وآخر، ولعل ذلك هو الذي دفع كاتباً ذا نتاج غزير نسبياً، ومن مدينتي السورية حلب، إلى القول إن ما استطعت أن أناله من عوائد مادية فيما كتبت، وفي فترة مبكرة من حياتي، وعن عملين إبداعيين فحسب، مجموعة قصصية ورواية، يفوق عشرات المرات ما حققه مادياً خلال ثلاثة عقود من ممارسته الكتابة، ومن أعمال تزيد على ثماني روايات وأربع عشرة مجموعة قصصية ومثلها من المسرحيات.
هل كان الدافع إلى الكتابة هو الرغبة في الشهرة؟.. لا أعتقد أيضاً، فثمة مجالات تحقق ما هو أكثر من الشهرة، تحقق النجومية، وهي لا تحتاج إلى هذا الاكتواء الذي نحسه ونحن نمارس الكتابة، إلى تشظي النفس وتمزقها، وعويل الروح، وصليل القلب، واحتراق الأعصاب. لقد كان ممكناً أن أكون نجماً رياضياً، والأمر لم يكن يحتاج إلى أكثر من قدمين ذكيتين قليلاً ومدربتين على المداورة والاقتناص والسرعة والدقة في التسديد، وإلى أكثر من رأس مرهف فقط في استقبال الكرة ودفعها. بهذه فقط كان ممكناً أن أكون أكثر شهرة من عباقرة الأدب والفكر والفلاسفة جميعهم حتى لو لم أكن أعرف الألف من العصا.
هل كان الدافع هو الرغبة في التغيير؟ بلى، على الرغم من قناعتي بأن جمهور القراء الذي يطمح الكاتب إلى مخاطبته لا يشكل أكثر مما نسبته واحد بالألف من عدد المتعلمين في الوطن العربي، وبأن نسبة طاغية من هذا الجمهور تقرأ للمتعة أو لتزجية الوقت أو لشيء آخر سوى الفائدة والتعرف إلى ما يضطرم في الحياة حولها، أو إلى ما كان يضطرم في حياة الأجيال السابقة لها من تحولات لكي تتزود بمصادات تقيها استلاب ما هو إنساني فيها. إنني مقتنع كثيراً، وإلى حد الإيمان أحياناً، بمقولة ”ارنست فيشر“ التي ترى أنّ الفن عامة يستطيع أن يرفع الإنسان من التمزق والتشتت إلى الوحدة والتكامل، وأنه لا يمكّنه من فهم الواقع ولا يساعده على تحمّله فحسب، بل يزيد من تصميمه على جعل هذا الواقع أكثر إنسانية.
هل هو التعبير عن نظرة معينة إلى الحياة والمجتمع؟ بلى أيضاً، فالأدب - حسب باختين - هو التعبير عن عدم تلاؤم الكاتب مع الراهن حوله، ولأنه كذلك فهو شكل من أشكال المواجهة مع هذا الراهن، وموقف منه.
هل هو القيام بواجب المثقف؟ بلى مرة ثالثة، فمهمة المثقف هي التنوير، ونتاجه هو تلك الفعالية الإنسانية التي تؤدي دور الشاهد، والمعرّف، والرائد، والمعلّم، على ألا يتم ذلك على نحو مباشر أو تحت دعاوى غير أدبية أو دون حوامل جمالية متطورة.
هل هو التعبير عن المشاعر؟ بلى أيضاً، فالإبداع جزء لا يتجزأ من الذات المبدعة له، وهو أولاً وأخيراً الحاضن الرؤوم لانفعالات هذه الذات، لكنه في الوقت نفسه ليس ذاتياً، بمعنى أن عليه ألا يظل دائراً في إطار ما هو خاص، بل عليه أن يقيم صلة مع ما هو جمعي، لأن ما هو ذاتي - حسب هورست ريديكر - هو ثانوي في نهاية المطاف.
- كيف تكتب؟ أي متى، وكيف، وبأي نوع من الأقلام، وهل تكتب مسودة؟ وما الذي تفعله عندما تشعر أن تدفق الأفكار قد توقف لديك؟ وأخيراً ما الذي تكتبه؟
- ليست لدي طقوس خاصة للكتابة، يكفيني فقط أن يتملكني الموضوع أو الفكرة التي أريد التعبير عنها أدبياً، وأن يكون بين يدي الكثير الكثير جداً من السكائر والقهوة. وليست لدي أيضاً أمكنة محددة أفضل الكتابة فيها، إنني أكتب في أي مكان يهيئ لي فعل الإبداع، هذا في مجال القصة القصيرة والرواية فقط، أما في مجال النقد فإن مكتبي في البيت هو مكاني الأثير، بل الضروري بسبب احتياجاتي الدائمة إلى مصادر ومراجع للبحث الذي أكون بصدد إنجازه. وبشكل عام، فإن الأوقات التي أمارس فيها الكتابة لا تتحدد بزمن معين، فأنا أكتب في الوقت الذي أكون فيه مهيأً تماماً للكتابة، وفي الوقت الذي توفره لي ظروف حياتي اليومية، على أن الليل هو الوقت الأكثر ملاءمة لي عامة، ففيه أستطيع الكتابة على نحو هادئ، بعيد عن صخب النهار، وصخب صغاري وشيطناتهم.
أما بأي نوع من الأقلام أكتب، فليس ثمة نوع محدد لا أستطيع الاستغناء عنه، وإن كنت أوثر الكتابة بأقلام الحبر لأنها تساعدني، بما فيها من سيولة، على سرعة تدوين الأفكار التي تكون تتابع في رأسي على نحو لاهث، والحبر الذي أستخدمه هو الأسود دائماً لأنه يبدو أكثر وضوحاً لدى تصوير الأصل الذي كُتب به.
هل أكتب مسودة؟ نعم، أفعل ذلك، وقل إنني أكتب مسودات للمادة الواحدة، وكثيراً ما أعيد كتابة هذه المسودات غير مرة لأنني أتوقع القارئ ذكياً ومتابعاً أكثر مما يعتقد بعض الكتّاب، ولأنني أحرص على عدم دفع أي نص إلى النشر إذا لم يبدٌ، بالنسبة إليّ على الأقل، ناضجاً. إن القصة القصيرة الواحدة، على سبيل المثال، تلتهم مني مسودات كثيرة حتى أجرؤ على دفعها إلى النشر، وفيما يشبه الاعتراف الآن أقول لك إن بعضاً من قصصي استغرق زمناً يكاد يصل إلى السنة لنص واحد منه، ولذلك فإنني لا أحتفظ - عادة - بمسودات ما أكتب، بل بالصورة النهائية للمادة التي أشعر أنه لم يعد لديّ ما أقوله فيها على المستويين المضموني والفني.
أما ما الذي أفعله عندما أشعر بأن تدفق الأفكار قد توقف لدي، فأقول إنه - إلى الآن على الأقل - ما يزال لدي الكثير جداً من الأفكار التي أود أن يهيئ الزمن لي فرصة نقلها إلى الورق. في جعبتي الكثير الكثير مما أريد أن أقوله وأكتبه، وأشعر بأنني سأموت قبل أن أحقق ذلك.
ماذا أكتب؟ أكتب القصة القصيرة والرواية ونقدهما. أما لماذا اخترت هذه الأجناس من دون غيرها، فإن ذلك يعود إلى سببين: الأول لأنني اكتشفت، في وقت مبكر من بداياتي الأدبية، أن الشعر الذي كان أول نوع أدبي أمارسه لا يحتمل ما يصطرع في داخلي من أفكار أريد قولها وأطمح إلى التعبير عنها، وربما لأنني اكتشفت بنفسي أنني شاعر من الدرجة العاشرة. والسبب الثاني هو أنني وجدت في القصة القصيرة والرواية من بعد المجال الأرحب القادر على احتضان تلك الأفكار وعلى تجسيدها على نحو تتكامل معه تماماً، وتكون مصوغة بأبنية فنية متعددة، أما كتابتي في حقل النقد فقد جرتني إليها دراساتي الأكاديمية العليا التي أرجو أن أنتهي منها في وقت قريب.
|