نُشر الحوار في صحيفة "الجماهير". العدد () تاريخ:

 

نضال الصالح إنسان مسكون بالحرف والكلمة، منسوج بمداد التساؤل، متلاحم بأبجدية الحياة بكل شروخها وفضائلها، لذا لا يكاد يجد نفسه إلا من خلال الكتابة والقراء سواء بسواء. وبما أنه كذلك، ولاعتباره نموذجاً للمثقف الباحث عن ذاته وذوات الآخرين عبر التساؤل، أستطيع أن أستبق شرفات الغد وأقول بأنه يعدّ نفسه، أو أنّ قدره يعدّه، لأن يكون مفكّراً، باعتبار الفكر العربيّ حاضراً وفي ضوء المستقبل المنظور لا يمكن أن يحقق حضوره للمستقبل غير المنظور إلا عبر مزيد من التساؤلات التي تبحث عن إجابات تكون بمثابة قواعد راسخة للفكر العربي المؤذن بميلاد حضاري موعود.

محمد الراشد.

         

- أستاذ نضال. أنت تمارس الكتابة منذ منتصف السبعينيات حتى الآن، بمعنى أنّ عمرك الأدبيّ قد بلغ ربع قرن تقريباً، فما هي حصيلة هذه التجربة على صعيد المعاناة فقط إنْ كانت هناك معاناة؟

- منذ طفولتي الأولى، وبسبب نشأتي في أسرة لم يكن لعائلها ما يفيض على قوت اليوم، تعلّمت، بل أيقنت، أنّ الحياة غاشمة، وباطشة، والعدالة فيها ليست سوى مفردة حبيسة المعاجم والقواميس. منذ طفولتي تلك وأنا أرتطم بالحياة أحياناً، وترتطم بي أحياناً ثانية، لكنني في الحالين معاً لم  أدعها تنال من إرادتي يوماً. منذ أوّل كتاب أصفر قرأته من مكتبة أبي، رحمه الله، ومنذ تفتّح عينيّ على صراع القوى والأحزاب السياسية في حيّ باب المقام، أحد أعرق أحياء حلب القديمة، وجدت نفسي في أتون أسئلة مريرة وجارحة، أسئلة الحياة التي كانت تتفجّر داخلي وحولي، ولم يكن لديّ ما يعنيني على احتمالها سوى الكتابة. منذ ذلك الوقت والكتابة ملاذي والحضن الرؤوم الذي آوي إليه كلّما  اشتدّ عصف  الأسئلة. وما كدت أوغل في لظى الوعي، وازداد اكتواء بجمر المعرفة، حتى كانت هذه الأسئلة تزداد ضراوة، وتزداد انقضاضاً عليّ، فلم تعد الكتابة ملاذاً، صارت وسيلة، أو محاولة لتطهير ما يغصّ به الواقع من هزائم، وانكسارات، وأحلام ضائعة ومضيّعة.

كتبت لأنّ الإجابات كانت عصية على النوال، وأكتب الآن لأنّ الأسئلة لا تكفّ عن مطاردتي، وسأظلّ أكتب ما دامت الحياة تنتج أسئلتها الجارحة تلك، ليس أسئلتها التي تخصّني، بل الأسئلة التي تفتك بما هو جمعيّ، أي بما ينفي انتماء أمتي إلى العصر، وبما يترصّد هذه الأمة من محاولات الإبادة، وبما يتمدّد فيها من أورام الامتيازات الخاصة، وبما يسلب الإنسان أبجديات حقه في حياة كريمة، خالية من ملوّثات الراهن التي تشظّي جحيمها في كلّ شيء، كلّ شيء.  

- حصلت على عدد من الجوائز الأدبية، فهل ضخّمت هذه الجوائز عقدة الأنا لديك، أم زادتك تصميماً على العطاء؟ وما هو برهانك على ذلك؟

- المسابقات الأدبية دليل عافية في مشهدنا الثقافي المحلّي والعربي، بل ضرورة ملحّة كلّما اشتدّت بمثقفينا حمّى الإحساس بلا جدوى الشغل الثقافي أمام تطاول القيم الزائفة وتطامن القيم الأصيلة. ولأنّها كذلك، بل لأنني لا أقوى على احتمال الموت وأنا على قيد الحياة، فقد كنت دائب البحث عمّا يقيني شرّ السقوط بين براثن ذلك الإحساس، فكانت تلك المسابقات واحدة من المحاولات التي أتقي بها ما يتمدّد في الواقع الثقافي العربي من سرطانات الولاءات العمياء لأوصياء الثقافة، وللأيديولوجيات العوراء التي تغيّب، عن سابق تصميم، غير المسبّحين بحمدها. لقد حصلت، إلى الآن، على أكثر من عشرين جائزة أدبية، سبع عشرة منها على مستوى القطر، وثلاث على المستوى العربي، ولم أشعر مرة واحدة بأنني متميّز من الآخرين، سوى تميّزي في الدأب، والقراءة، والمثابرة، والإخلاص للثقافة وحدها.

من الطبيعي أن يكون لدى المرء “أنا” خاصة به، ومن الفطري تماماً، كما أرى، أن يتعاظم الإحساس بهذه الأنا كلّما أشير إلى مفارقة صوت صاحبها لغيره من الأصوات، لكن ما ليس طبيعياً وفطرياً هو أن يصل هذا الإحساس إلى حدّ التورّم، وهذا ما لم يحدث لي قطّ، وقرينة ما أقول أن الجائزة الأدبية العربية الأولى التي نلتها عن مجموعتي القصصية الأولى لم تدفعني إلى الاستسلام لخدر الفوز الذي يصيب بعضهم فيكفّون عن الكتابة، ويعيشون على أمجاد ما أنجزوه، إذ ألحقت تلك الجائزة بجائزة أخرى في مجال إبداعي آخر، هو الرواية، وها أنذا ألحق الجائزتين بجائزة في حقل النقد الأدبي. إنني أنفق، يا صديقي، من الوقت في القراءة والكتابة ما يزيد على اثنتي عشرة ساعة في اليوم الواحد، مهموماً بالمعرفة، ولاهثاً وراءها، ولولا ذلك لما فرّطت بدخل شهري عال في الخليج العربي حيث كنت أدرّس، وبمناصب عالية لا يحلم بها أبناء الخليج أنفسهم، واخترت العودة إلى الوطن لأتابع القراءة بنهم، والكتابة بنهم. ودعني أبح لك بالسرّ التالي، بل بالدافع الذي يقف خلف مشاركاتي في المسابقات الأدبية. إنني أفعل ذلك لأتجنّب الخراب القيمي الذي يتسرطن بين أوصياء النشر في المؤسسات الثقافية الرسمية، وفي دور النشر الخاصّة. أولئك الأوصياء الذين يغلّبون ما هو غير ثقافي على ما هو ثقافي، وتلك الدور التي تمصّ دم المبدع لتنشر له كتاباً. لقد صدر لي، إلى الآن، ثلاثة كتب عبر المسابقات التي شاركت فيها، وحققت جوائز من خلالها، ولولاها لأرغمت على تقديم تنازلات لأولئك الأوصياء، ولسلبني أصحاب دور النشر قوت أسرتي، ولما عُرفت على المستوى العربي، ولدى أكثر القامات الثقافية حضوراً في الوطن العربي، على المستويين الإبداعي والنقدي.

- اخترت أكثر من جنس أدبي للتعبير، قصة قصيرة، ثم رواية، ثم النقد الأدبي، فهل تمّ ذلك وفق رؤية معقلنة وحصيلة تجربة، أم على نحو عفوي، ولماذا؟

- قلّة من الأصدقاء، والمتابعين للمشهد الثقافي السوري، يعرفون بأنني  بدأت شاعراً، وبأنه قد نُشر لي غير قصيدة في غير صحيفة ودورية ثقافية في سورية. كان ذلك في مطلع حياتي الأدبية، لكنني سرعان ما انصرفت إلى كتابة القصة القصيرة التي وجدتها أكثر رحابة للبحث عن إجابات لتلك الأسئلة التي كانت تؤرقني، وما تزال. وحين حصلت مجموعتي القصصية الأولى على جائزة أدبية عربية، وازدادت قراءاتي في حقول الأدب والفكر، وجدت نفسي مدفوعاً لكتابة رواية، فحصلت هي الأخرى على جائزة أدبية على المستوى العربي أيضاً. أمّا كتابتي في حقل النقد الأدبي، فهي ترتدّ إلى النصف  الأول من  الثمانينيات، حيث كنت أقوم بمراجعات نقدية لصفحة أدب الشباب التي كان يشرف على تحريرها الأستاذ حيدر علي، في صحيفة الثورة، والذي أدين له بالكثير في تعريف المشهد الثقافي السوري بي، ثمّ ما لبثت هذه المراجعات أن توارت إلى ما بعد حصولي على درجة الماجستير في النقد، حيث عدت إلى ممارستها من جديد، ولكن بزاد معرفي غني، كما أزعم، وفّرته لي قراءاتي خلال إعدادي لأطروحة الماجستير، وخلال السنوات الأربع التي قضيتها مدرّساً في جامعة قطر، وبعد عودتي إلى الوطن، أي خلال إعدادي لأطروحة الدكتوراه التي آمل إنجازها لاحقاً.

القصّة القصيرة الحضن الرؤوم الذي آوي إليه كلّما وجدت نفسي محاصراً بأسئلة الحياة والواقع، والرواية وطن لا يكفّ عن مطاردتي للعودة إليه، والنقد نوعٌ من البحث عن إجابات لأسئلة غيري من الذين ارتضوا لأنفسهم الاكتواء بجمر الكتابة والإبداع.

- في رأيك، ما هو مستقبل الأدب المكتوب في عصر الإعلام المسموع والمرئي والقنوات الفضائية الذي تزامن مع عصر الاستهلاك واللهاث وراء الشكليات والترهات والترف؟

- تحتاج الإجابة عن هذا السؤال إلى بحث مطوّل، بل إلى دراسة مستفيضة، لكنني أختصر إجابتي بالقول إنّ ذلك كلّه زائف، وطارئ، وآيلٌ إلى العدم. الأدب المكتوب، وحده، المؤهل للبقاء وللحفر في الذاكرة، ووحده أيضاً القادر على صنع إنسانٍ متحرر من ملوّثات هذا العصر المثخن باستلابه وتدميره للقيم الأصيلة. أنت تعرف، كما يعرف المتابعون للحركة الفكرية العربية، أنّ المسرح، في سنوات الستينيات والسبعينيات في سورية، قد استقطب إليه كثيراً من الناس، ثمّ فعلت ذلك الشاشة الصغيرة، وكان الخوف من أن يفقد الكتاب حضوره وتأثيره بين القرّاء، لكنّ هذا الخوف سرعان ما تبدّد حينما أخذت دور النشر في التناسل، وأخذت مبيعاتها في الازدياد.

- العرب كأمّة لها بعدٌ حضاري، لكنها تعيش اليوم خارج دائرة الحضارة. كيف يمكن، في رأيك، الدخول إلى هذه الدائرة؟

- لستُ مفكّراً لأزعم بأنني قادر على تقديم إجابة جامعة مانعة لهذا السؤال، ولأنني لا أريد أن أكون، ولم أكن يوماً، واحداً من الذين يدّعون معرفتهم بكلّ شيء، ومقدرتهم على الإدلاء بآرائهم في كلّ شأن، فإنني أكتفي بما توفّره لي معارفي في حقل الثقافة، الثقافة التي أراها الحصن الأول والأخير للاحتفاظ بالهوية المميزة للشخصية العربية، هذه الهوية التي يتمّ افتراسها، الآن، والانقضاض عليها من لدن العرب أنفسهم، بل من لدن العاملين في الحقل  الثقافي، الذين اجتاحتهم حمّى التطبيع مع العدو التاريخي كما ظللنا نردّد لأكثر من أربعة عقود خلت. ما يحصّن العرب ضد ما يفقدهم انتماءهم إلى العصر هو إيمان المثقفين أنفسهم بهذه الأمة، وتقديم ما هو وطني وقومي على ما هو أيديولوجي وعصبوي واستبدادي.

- حدّثنا عن مشاريعك المستقبلية يا صديقي بعفوية مطلقة إذا سمحت.

- بالإضافة إلى أطروحتي الجامعية لنيل شهادة الدكتوراه بعنوان: “النزوع الأسطوري في الرواية العربية المعاصرة”، بين يدي غير مشروع في حقل الكتابة النقدية، أوّلها كتاب بعنوان: “أسئلة المقدّس والمدنّس في الرواية العربية”، وكتاب أنجزته وسيصدر خلال هذا الشهر أو الشهر القادم بعنوان: “قال المعنّى: القصة القصيرة في حلب في التسعينيات”، ثمّ كتاب بعنوان: “تجليات المكان في عالم جبرا إبراهيم جبرا الروائي”، و“المرأة وقضاياها في الرواية النسوية الفلسطينية”، و“معجم الأساطير الشرقية”، ومجموعة قصصية جديدة بعنوان: “مقام الوجد”، ومجمل هذه الكتب، بل كلّها، في مراحله الأخيرة. ألم أقل لك إنني أقرأ بنهم، وأكتب بنهم؟

- كيف تنظر إلى المشهد الثقافي في هذه المدينة البيضاء حلب؟

- لولا هذه الصفة التي أطلقتها على حلب، أي صفة البياض، لما آثرتها على كثير من الامتيازات التي كانت متاحة لي في قطر، حيث عملت لسنوات أربع، وحققت خلالها من الحضور والتقدير ما لم أحظ به في وطني الأول. حلب، يا صديقي، ناصعة، وستظلّ كذلك، على الرغم ممّا يفترسها من جحيم العصر، ومشهدها الثقافي حالٌ مميزّة لها من معظم المدن العربية الأخرى، إنّه مشهد متألّق، يضمّ في جنباته الكثير من المبدعين، وفي غير حقل ثقافي: في الشعر، والقصة، والرواية، والمسرح، والدراما التلفزيونية، والفنّ التشكيلي. حلب، ليست حجارة تضوّع رائحة الأجداد، بل هذا المشهد الصاخب بالمتناقضات، بالشعراء وأشباه الشعراء، بالقاصّين والحكواتية، بالروائيين والرواة، بالمسرحيين والمهرّجين، بـ..، بـ... بكلّ ما يمنحها ألقها، وما يسلبها هذا الألق. 

 

Hit Counter