نُشر الحوار في ملحق الرأي الثقافي. العدد (). تاريخ:

 

”أحن للكتابة وأتمنى أن أفتح عيني ذات صباح لأجد أن أصابعي من دون إرادة مني قد مارست فتنة خلق نص إبداعي من غير أن يعني ذلك أنني لست مغتبطاً بما أنجزت في حقل النقد“.

ظلت هذه العبارة ترن في أذني وأنا اجري الحوار مع الناقد السوري د. نضال الصالح ولكنه القاص والروائي قبل ذلك وبعده.

ويرى صاحب مجموعة: ”طائر الجهات المخاتلة“ أن أي مبدع يذعن لإرادات النقاد ليس مبدعاً، ذلك لأن الإبداع هو الذي يبتكر قوانينه الخاصة، ويؤكد في الوقت نفسه أن الشللية سرطان ينخر في الجسد الثقافي العربي، ويودي به إلى التهلكة.

ويؤمن مبدع رواية: ”جمر الموتى“ أن المنجز السردي الأردني سيرغم الحركة النقدية العربية على الاهتمام والالتفات إليه مشيرا إلى أن الرواية تمكنت من سلب الشعر مكانته لتصبح هي ـ أي الرواية ـ ديوان العرب في القرن العشرين.

ويتواصل الحوار مع الناقد د. الصالح الذي يرى أن النقد مغامرة ثانية على المغامرة الأولى، الإبداع، ويمتدح ”الانترنت“ الذي أتاح ـ كما يقول ـ لي أن أجوب الجغرافيا الإنسانية من أقصاها إلى أقصاها.

معه، وعنه، وعن النقد والسرد كان للرأي هذا الحوار:               سميرة عوض

 

- اهتمامك بالسرد النسوي.. لماذا؟

- ولماذا لا أهتم به؟ أليست زينب فواز واحدة من أبرز الروائيات العربيات الأوائل التي سبقت في تجربتها الروائية ما تم التواضع خطأ عليه أنه أول رواية فنية في الأدب الروائي الحديث، ثم أليست لبيبة هاشم رائدة في الكتابة السردية العربية قبل الرجال؟ لقد ولدت الرواية العربية على يدي المرأة فلماذا لا تحتفي بنتاجها الآن؟

- هل نعتقد أن المرأة / الأديبة هي ساردة قاصة / روائية أكثر مما هي شاعرة؟

- إلى حد ما نستطيع أن نسلّم بهذه النتيجة لسبب يتعلق ببنية المجتمعات العربية التي تسيّدت المرأة فيها دور الحكواتية، إنك تذكرين مكانة الجدات والأمهات في هذا المجال، وتذكرين أيضاً أن الحكاية الآسرة تنسب إلى شهرزاد، لكأن الحكاية ولدت على يدي تلك المرأة التي استطاعت أن تؤنسن الرجل ـ شهريار ـ وأن ترغمه على الإصغاء إليها، وعلى الكف عن متابعة شهوته الغاشمة إلى الدم.

وإلى الآن ما تزال تلك المكانة تمارس نفوذها في الوعي الجمعي العربي، والى حد بدت المرأة العربية في الراهن سليلة شهرزاد تلك، أكثر من كونها سليلة الخنساء ـ الشاعرة الإسلامية المعروفة.

في النصف الثاني من خمسينات القرن الفائت استطاعت المرأة العربية أن تزاحم الرجل في الإبداع الشعري، ولعل نازك الملائكة أجهر الأمثلة في المجال، إذ يُنسب إليها تحرير الشعر العربي من عموده القديم الذي استقر لنحو أربعة عشر قرناً، لكن ما لبثت المرأة العربية أن تحولت إلى ساردة من نوع خاص، وما لبث المشهد الثقافي العربي أن منح شهادة اعتراف بغلبة السرد النسوي المميز على الإبداع الشعري النسوي.

- هل تختلف أدواتك النقدية حين تدرس نصاً لكاتب عنها عن أدواتك حين تدرس نصاً لكاتبة؟

- لا. لا أعتقد أن ثمة فرقاً، بل يجب ألا يكون ثمة فرق، لأن الناقد يقارب النص الإبداعي بوصفه منجز إنسان، لا بوصفه منجز رجل أو امرأة، وأي ممارسة نقدية تضع في اعتبارها جنس المبدع تحكم على نفسها بالأسر في فضاء ضيق، لأن النص الإبداعي أكثر رحابة من مرجعه الواقعي، أعني الجذر الذي صدر عنه، أي منتجه. قد يكون للكتابة النسوية العربية شواغلها الخاصة بها، والأغلب الأعم أن الكتابة النسوية العربية هي كذلك حقاً، على أن ذلك لا يعني شيئاً في الممارسة النقدية التي عليها أن تُعنى بالنص بمعزل عن صاحبه، وتنظر إليه بوصفه إبداعاً قبل أي اعتبار آخر.

لقد دأبت فيما كتبت من دراسات نقدية على مقاربة النصوص التي ترغم الناقد على دراستها واستجلاء أعماقها سواء كانت هذه النصوص لمبدعات أو لمبدعين.

- عندما تكتب نصاً إبداعياً هل يغيب الروائي القاص فيك لصالح الناقد؟

- لطالما رددت في غير حوار، ومع نفسي قبل ذلك: أين نضال الصالح الذي أعرفه، أعني نضال الصالح الذي بدأ مساءلة الواقع حوله عبر السرد، ولطالما حننت إليه، وتمنيت لو أنني ظللت ذلك الشاب الذي يقرأ العالم عبر السرد، أي عبر ما ينجزه هو لا عبر ما ينجزه الآخرون، لكن دراساتي العليا في حقل النقد أقصت ذلك الشاب الذي كنته، وأرغمته على أن يقرأ العالَم بصوت سواه لا بصوته، لكن في الوقت نفسه أشعر، كلّما كتبت دراسة نقدية عن نص إبداعي جدير بالتقدير أنني أنا الذي كتبت ذلك النص، فينتابني نوع من الطمأنينة بأنني ما زلت أحيا، ولكن بطريقة أخرى.

- هل ينزاح المبدع فيك لصالح الإبداع الذي تدرسه؟ أعني هل تقارب النصّ الإبداعي وفق ما تعتقد أنّه شروط لنجاح النصّ الإبداعي؟

- لا أعتقد ذلك، لأنني عندما أدرس النص الإبداعي أدرسه بأدوات الناقد ومرجعياته، لا بأدوات المبدع، بمعنى أنني لا أقيس النص المنقود وفق وعيي الشخصي بمعنى الإبداع ووسائله، وآليات تشكيله الجمالي.

الناقد كائن آخر غير المبدع، ولعل أبرز الحدود الفاصلة بينهما تكمن في أن الأول يعاين العالَم، والإبداع منه، بعقل العالِم، على حين أن المبدع يعاين العالَم بروحه، وثمة فرق كبير كما ترين بين كليهما.

- قديماً كان المبدع يتبع خطوات وشروط الناقد المسبقة للنص أو للنوع الأدبي. الآن أصبح الناقد يتابع ما يبتكره المبدع وما تجترحه مخيلته؟

- أولاً، أسوأ أشكال الأداء النقدي هو ذاك الذي ينتهي إلى أحكام، ويحدد تخوماً لفعالية الإبداع، ويرى في هذه التخوم مقدسات. يعني أي تجاوز لها انتهاكاً لحرماتها.

لقد انتهى ـ وأعتقد إلى الأبد ـ دور الناقد الذي يحدد خطوات المبدع وشروط إبداعه، وأي مبدع يذعن لإرادات نقاد من هذا النوع ليس مبدعاً، لأن الإبداع هو الذي يبتكر قوانينه الخاصة به، ووسائل أدائه الفنّي، وعلى الناقد أن يكتشف تلك الوسائل والقوانين.

- أدوات الناقد ضرورة ملحة كما يبدو، تماماً كما على المبدع أن يطور نفسه ويتابع المستجدات في غير حقل، وألا يظل الناقد في قوقعته، ما الأسس التي تعتمدها كناقد؟

- الممارسة النقدية بالنسبة إليّ تتطلّب ثلاث ركائز: أولها المخزون المعرفي المميز بمجمل مناهج النقد وتحولات نظرية الأدب، وثانيها الإحساس العالي بمعنى الممارسة النقدية، أي وظائفها وأدواتها في تشكيل الوعي، وثالثها: الأمانة في هذه الممارسة نفسها.

إنني أجلس إلى طاولتي نحو أربع عشرة ساعة في اليوم، وأشعر، كلّما قرأت جديداً، أنني بحاجة إلى ملايين السنوات الضوئية لملء مخزوني المعرفيّ، وليس مباهاة أو غلوّاً حينما أؤكد لك وللقرّاء أنني أملك أرشيفاً على جهاز الكمبيوتر لديّ بالأغلب الأعم من المنجز السردي العربي، وأعدّ ذلك ضرورة لأي جهد نقدي، لأنّ دراسة أي نص روائي تتطلب، كما أرى، معرفة كاملة بمجمل إنجازات مبدع ذلك النص، كما تتطلب معرفة بمجمل إنجازات أبناء جيله، ثم بالمنجز العربي. ويخيّل إليّ أن أي ممارسة نقدية تنطلق من تلك الضرورة ستثير إعجاب الآخرين ببراعة تفكيكها ودقة غوصها على النص.

- ما هو تعريفك للنقد؟ وما دور الناقد في اكتشاف دهشة النص وخفاياه؟

- قد يعجب القارئ من التعريف الذي سأقدّمه للنقد. النقد فعالية ترغم قارئها، وقبل ذلك مبدع النص الذي اشتغلت عليه بالقول: يا الله هل هذا هو النص الذي قرأنا حقاً! إنها تشبه ذلك الفتى الذي مرّ ذات يوم بنحات يقارع بإزميله صخرة كبيرة، وحينما انتهى ذلك النحات من عمله سأله الفتى: كيف عرفت أن داخل الصخرة هذا الحصان؟

- الشللية ظاهرة في الحياة الثقافية العربية الراهنة. كيف تنظر لها؟

- كما ثمة فساد عربي في مفاصل الاقتصاد والإدارة والسياسة، ثمة فساد في الثقافة، ولعل أبرز مظاهر هذا الفساد ما اصطلحت عليه بالشللية التي تكرس أصواتاً بعينها، وتهمّش ما عداها.

الشللية سرطان ينخر في الجسد الثقافي العربي، ويكاد يودي به إلى العطالة. لقد زرت عواصم عربية عدة، وتعرفت إلى الكثير من المبدعين العرب، ولشد ما آلمني، ويؤلمني، تشظّي أولئك المبدعين إلى جزر يبحث كل منها عن امتيازات خاصة به، وينفي هذه الامتيازات عن سواه، ويستعين بذلك الوعي الاستبدادي الذي أفسد كل شيء في الواقع العربي.

ولا أكتمك أنني دفعت ضريبة باهظة لقناعتي المطلقة بأن الوقوف إلى جانب شلة أو جماعة، بل قولي عصابة، عمل لا علاقة له بالقيم أو الأخلاق. إنني أنظر إلى المبدع بوضعه قديساً، ولطالما فجعت بكتّاب أثبتوا خطأ ما كنت أعتقد أو أنظر.

- اشتباك الثقافي بالسياسي يبدو جلياً إلى درجة لا يستطيع المراقب معها الفصل بين تخومهما وكأنهما وجه لقضية واحدة، فعلى أيّ منهما أن يتحرك باتجاه الآخر؟

- ليس صائباً أبداً مفارقة السياسي للثقافي، وليس صائبا أبداً أيضاً محاولة أحدهما إخضاع الآخر له، أو جعله تابعاً، ولاسيما السياسي الذي دأب على استئجار بعض المثقفين في مراحل مختلفة من التاريخ لصالحه، وأمعن في استثماره على نحو يخدم امتيازاته الخاصة. إن العلاقة الصحيحة والصحية هي جدل السياسي والثقافي، أي علاقات التأثير والتأثر بينهما، وليس أدل على ذلك من أن المجتمعات المتقدمة حضارياً هي تلك التي تضافر فيها جهد السياسي بجهد المثقف، ونظر كل منهما إلى الآخر بوصفه متناً في التقدّم لا استكمالاً له.

 - ألا ترى أن النقد العربي عموماً يخضع للنظريات والمدارس منتهية الصلاحية لدى الآخر؟

- ليس لدي وهم بأن استثمار إنجازات الآخرين  في وقت متأخر من ظهورها يعني تأخراً عن ذاك الآخر، تلك سنّة الحياة أو شرعتها، إذ من الطبيعي ألا يصل إليك ما يفعله الآخرون في الوقت نفسه، ومن الطبيعي أيضاً أن تختاري ما ترينه مناسباً للواقع الذي تنتمين إليه.

إنني اتفق معك على أننا غالباً ما نكتشف الأمر بعد سنوات طويلة نسبياً، ولكن لا أتفق معك ومع سواك ممّن يوافقونك الرأي في أن ذلك غير نافع ومجد. وقبل ذلك اسمحي لي أن أنفي وجود نظرية نقدية واحدة لدى الآخر، بل ثمة نظريات، كما ثمة نظريات داخل كل نظرية، فكيف يتسنى لنا اللحاق بتحولات تلك النظريات وتقلباتها وقت إنجازها؟

- ولماذا لا تكون لدينا نظريتنا النقدية الخاصة؟ أو لماذا لا نبتكر نظرية نصدرها للآخر؟

- أولاً النظرية النقدية فعالية إنسانية، بمعنى أنها ليست حكراً على الأمة أو الشعب أو المجتمع الذي أنتجها، وهي بالإضافة إلى ذلك لا تعني هوية محددة.

- يبدو أن الرواية العربية تتسيد الآن الفنون الإبداعية العربية، بوصفك ناقداً هل تؤكد تلك المقولة؟

- أؤكّد ذلك من خلال متابعتي للمنجز الثقافي العربي، وأردّد، هنا والآن، ما انتهى المرحوم علي الراعي إليه في هذا المجال، أي قوله: المجد للرواية العربية. لأنها استطاعت أن تخلع الشعر عن كرسيّ المملكة، الذي ظلّ يحتكره لنفسه طوال أربعة عشر قرناً تقريباً، كما استطاعت أن تجعل من نفسها بحق ديوان العرب في القرن العشرين.

- لبعض المبدعين موقف سلبي من الكمبيوتر، وبعضهم ما يزال يعتبره صندوقاً ملغوماً بالأسرار. ما علاقتك بهذا الجهاز من جهة، وبالشبكة العالمية، الإنترنت، من جهة ثانية؟

- أتمنى أن يسمع تصفيقي الحار مخترع هذا الجهاز العجيب، وكذلك شبكة الانترنت التي استطعت من خلالها أن أجوب الجغرافيا الإنسانية من أقصاها إلى أقصاها، ولاسيّما في مجال اختصاصي، أعني تعرّفي إلى حراك القص والسرد العربيين، ومن خلالها أيضا، عمّقت ـ كما أزعم ـ فعاليات تفكيكي النقدي للنصوص الإبداعية التي درستها، ولا أدري لماذا يتخذ بعض المثقفين العرب موقفاً من وسيلة الاتصال هذه! ويصرون على القول إن الكتاب المطبوع هو الوسيلة المثلى لتثمير المعرفة.

- ألا تحن للسارد فيك وأنت الحائز على عدد من جوائز وشهادات تقدير عن عدد من أعمالك الإبداعية؟ وهل ستظل منحازاً للناقد فيك؟

- أحنّ كثيراً، وأتمنى أن أفتح عيني صباح يوم لأجد أن أصابعي قد مارست فتنة خلق نص إبداعي من دون إرادة مني، من غير أن يعني ذلك أنني لست مغتبطاً بما أنجزت في حقل النقد، فلطالما رددت أن النقد إبداع ثان للنص.

- لفت انتباهي في متابعاتك النقدية وكأنك تحقق الوحدة النقدية في الإطار الثقافي؟

- أفعل في النقد ما أفسدته السياسة، وأحلم بتحقيق وحدة عربية في حقل الثقافة، وسأسعى إلى ذلك ما حييت، فما يكتبه المبدع العربي في أي جزء من الجغرافيا العربية يعنيني بالقدر نفسه لإبداع أبناء وطني الصغير سوريا.

- من خلال متابعتك للتجربة السردية في سائر الوطن العربي هل يمكن أن تقول لنا أيها أكثر إنتاجاً أو إبداعاً في مجال السرد خاصة؟

- لقد كتبت ذات يوم عما اصطلحت عليه بالمركزية الثقافية، وعنيت بذلك وهم تمركز الإبداع في جزء محدد من الوطن العربي، ومن ثم تصدير ذلك الإبداع إلى بقية الأقطار.

لم يعد ممكناً القول إن الإبداع في هذا الجزء من الوطن متقدم على مثيله في الأجزاء الأخرى، أو أنه أكثر أهمية، وجُلّ ما يمكن قوله في هذا المجال إن ثمة كثرة في الأصوات الإبداعية في هذا الجزء أكثر من سواه.

- وكيف ترى إلى غزارة الإنتاج؟

- الغزارة في الإنتاج لا تعني قط تطوراً في الإبداع، فكما ثمة في الأدبيات القديمة ما يُسمّى: ”اليتيمة“ في الشعر العربي يمكن القول إن ثمة نصاً إبداعياً معاصرا لم يكتب صاحبه سواه مكّنه من الدخول إلى موسوعة الأدب العربي، والأمثلة أكثر من أن تحصى في هذا المجال. وأعتقد أن أي مبدع لا يلجأ إلى كوابح بنفسه لتجربته يحكم على إبداعه بإعادة إنتاج هذا الإبداع. إن المبدع الحق هو ذاك الذي يكتشف بنفسه متى يجب أن يتوقّف عن الكتابة، ومتى يمكنه الإقلاع من جديد.

- ”نشيد الزيتون“ أحدث إصداراتك النقدية زمنياً، ولكنه يعود في إنتاجه إلى إبان حصولك على درجة الماجستير في النقد الأدبي، أي قبل صدوره بنحو عشر سنوات. لماذا؟

- لن تغيب عن ذاكرتي ما حييت صور تكسير الجنود الإسرائيليين لسواعد أطفال الانتفاضة الفلسطينية الأولى العام 1987 التي حرفت مسار خياراتي في الدراسات العليا، إذ وجدت نفسي مرغماً على قراءة تاريخ فلسطين، ومن ثم على استجلاء المنجز السردي الفلسطيني، فكانت أطروحتي للماجستير عن ”قضية الأرض في الرواية الفلسطينية“. وعلى الرغم من أنني حصلت على درجة الشرف، فإنه لم يقيض لي طباعة الأطروحة إلا بعد مضي نحو عشر سنوات، وكان ذلك بفعل الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي زادتني قناعة بأن التجذر في الأرض والتشبث بها هما الطريق الوحيدة لاستعادة فلسطين.

- كيف تقيم تجربتك في التدريس؟

- درّست في مختلف مراحل التعليم، فبعد حصولي على الشهادة الثانوية في القسم العلمي أرغمني الفقر الذي كانت تعانيه أسرتي على عدم التسجيل في الجامعة وعلى البحث عن دخل يقيني شرّ الحاجة، فعملت معلماً في المرحلة الابتدائية، ولطالما كان يحز في نفسي أنني أجدر بشهادة من تلك التي انتهيت إليها، فحصلت بالدراسة الحرة على الشهادة الثانوية في القسم الأدبي، وانتسبت إلى قسم اللغة العربية وتخرجت فيه بتفوق، ثم انتقلت للتدريس في المرحلتين الإعدادية والثانوية، وبعد حصولي على درجة الماجستير عملت مدرساً في معهد إعداد المدرسين، وتوجت ذلك بالعمل في الجامعة بعد حصولي على شهادة الدكتوراه.

لقد قدمت علاقتي بمختلف الأجيال لي زاداً كبيراً في كيفية التعامل مع الطالب الذي طالما نظرت إليه بوصفه أخاً، أو ابناً، أو صديقاً، ولطالما حاولت تقديم أمثولة له ـ على نحو غير مباشر ـ بأن الإرادة تلين الصخر. وأحسب أن الوقت الطويل الذي أقضيه في القراءة ومتابعة المشهد الثقافي مكنني من تقدير الكثير من الطلبة لي. وأعتز بذلك، وأفخر به. وليس سراً إذا قلت لك إن عددا غير قليل من الطلبة الذين درستهم وأدرسهم يبثونني شؤونهم وشجونهم الخاصة، وأنني أتعامل معهم بروح المسؤولية لكأن مستقبل فرد منهم هو مستقبلي الشخصي.

- تهتمّ بجيل التسعينات من الشباب فكيف ترصد تجربة هؤلاء الشباب، ولاسيما في الشقيقة سوريا؟

- نال الكثير من المبدعين الذين أثبتوا حضورهم في الحركة الثقافية حقهم من الحفاوة بتجاربهم، وأعتقد أن من مهمات الناقد المخلص والجاد الكشف عن الأصوات الجديدة والاحتفاء بالطاقات الإبداعية منها. وبسبب ذلك وجدت نفسي مدفوعاً لقراءة قص التسعينيات في بلدي سوريا، وقد كلفني ذلك قراءة ما يزيد على خمسمئة مجموعة قصصية كانت قد صدرت في عقد التسعينات.

- هل اكتشفت أصواتاً جديدة مميزة يمكن الرهان عليها؟

- لا شك في أن ثمة أصواتاً إبداعية جديدة تشكل إضافة إلى ما سبقها، وفي أن عدداً منها يرهص بصيرورته إلى علاقة فارقة في حركة الإبداع العربي، ولذلك يمكن الرهان على تلك الأصوات، وعلى نحو يعزز القول بأن الإبداع لا يعرف الثبات.

- المتابع لدراساتك النقدية يلحظ اهتمامك بالتجربة السردية الأردنية بشكل خاص، فأين تضع السرد والسارد في التجربة الأردنية على خريطة السرد العربي؟

- لقد قرأت عدداً غير قليل من تجارب كتاب القصة والرواية في الأردن، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: تيسير سبول، أمين شنار، مؤنس الرزاز، سميحة خريس، هاشم غرايبة، بسمة النسور، جميلة عمايرة، حنان بيروتي، غصون رحال، هند أبو الشعر، رفقة دودين، وخلصت إلى نتيجة تؤكد لي ما نبهت إليه في إجابة سابقة من أن الإبداع العربي لم يعد رهناً بجزء محدد من الجغرافيا العربية، إذ اكتشفت في منجز أولئك الكتاب وسواهم إبداعاً بالمعنى الدقيق للكلمة، وعلى الرغم من أن الكثير منهم لم ينل حقه من تقدير الخطاب النقدي العربي الذي ما يزال مشغولاً إلى الآن بانجازات مبدعين بعينهم، وإبداع عواصم بعينها، وأثق بأن عدداً من أولئك سيرغم بإبداعه الحركة النقدية العربية على الالتفات إليه والاهتمام بتجربته. كما أثق بأن ثمة في هذا الجزء من الجغرافيا العربية أصواتاً إبداعية نسوية تشكل نقاطاً مضيئة في خارطة الإبداع النسوي العربي خاصة والإبداع العربي عامة.

- هل ترى أن تحويل الأعمال السردية إلى دراما يضيف إليها ويضيئها، أم أنه يقلل من دهشة النص وجمالياته؟

- على المستوى النظري يبدو أن ثمة فائدة من تحويل بعض الأعمال السردية إلى أعمال درامية، أما على المستوى الواقعي فإنّ كثيراً من تلك الأعمال السردية قد تم تشويهه حينما تحول إلى أعمال درامية.

ثمة في الإبداع جماليات لا يمكن الإحساس بها إلا من خلال القراءة وحدها ومن تلك الجماليات تنشيط مخيلة القارئ، الأمر الذي يعني تعدد فعاليات التخييل بتعدد القراءات.

- هل ثمة ما تود قوله في نهاية حديثنا الشائق؟

- أتمنى أن أكون قد أخلصت في قول الحقيقة التي طالما أحببتها، وسأظل أحبها دائماً.

 

Hit Counter