|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
د. نضال الصالح: الكتابة النقدية جذبتني إلى جمر غوايتها الرجيمحاوره: بسام الطعانمجلة "الصوت الآخر" العراقية 20 / 5 / 2009
ـ فيما يخص الرواية العربية، هل لك أن تحدد الانعطافات الأساسية في سياق العملية الفردية، مع الإشارة إلى أصحاب الانعطافات؟ - من الحماقة إدعاء ذلك، فالرواية العربية طوال تاريخها، منذ إرهاصاتها الأولى في نهاية القرن التاسع عشر إلى الآن، ابنة شرعية لشرطها التاريخي. أعني أنها نتاج عوامل خارج إبداعية إذا جاز التعبير، فقد ظلّت، عبر ما يزيد على قرن، شديدة الوفاء للتحوّلات التي شهدتها المجتمعات العربية على غير مستوى، ووثيقة الصلة بتلك التحوّلات. ومن الزعم تماماً القول إنّ ثمّة روائيين عرباً مثّل نتاجهم منعطفاً في التجريب الروائي العربي. فقط يمكن الحديث عن خصوصية من درجة ما عند هذا الروائي أو ذاك. ـ كيف تنظر إلى الواقع النقدي العربي الآن، وهل تبشر الاتجاهات النقدية للجيل الجديد بآفاق خيّرة؟ - دلّني أولاً على ما تسميه واقعاً نقدياً عربياً لأنظر إليه، ومن ثمّ لأنهض بمهمة توصيفه لك. ليس ثمّة واقع نقدي عربي يا عزيزي, بل ثمّة جهود نقدية فردية مبعثرة بين هذا البلد العربيّ وذاك، وبين هذه الفئة من النقّاد وتلك. وعلى الرغم من كلّ ما قيل وما يمكن أن يقال عن واقع نقديّ عربيّ، فإنّه لا يتجاوز في الأغلب الأعمّ منه كونه أصداء لإنجازات الآخر غير العربيّ، وقلّما يمكن العثور على أداء نقدي عربيّ له هويته المميزة. ما من شك في أنّ تاريخ الحركة النقدية العربية حافل بجهود مضيئة في هذا البلد العربيّ أو ذاك، وما من شكّ أيضاً في أنّ بعض تلك الجهود يمثّل زاداً معرفياً مهماً للنقّاد الجدد، لكنّه لم يعد صالحاً لمقاربة الإبداع العربيّ المحموم بالتجريب. وإذا كان لا بدّ من أن أشير إلى بعض الطاقات النقدية الجديدة في حياتنا الثقافية العربية المعاصرة، فأكتفي بالقول إنّه لم يعد ثمّة مركزية ثقافية في الوطن العربيّ على النحو الذي استقرّ لفترة طويلة من الزمن. ثمة نقّاد جدد يبزغون في مختلف أجزاء الجغرافية العربية، يمكن الرهان على عدد منهم في أداء نقديّ جدير بالتقدير. ـ هناك من يقول إن واقع القصة العربية يعطي انطباعا بائسا وتعيسا لا يدعو إلى التفاؤل، وبالمقابل هناك من يقول إن القصة العربية اليوم بخير وأن شعبيتها تزداد يوما اثر يوم، ما رأيك وأنت الأديب والناقد؟ - لا يمكن وضع الإبداع القصصي العربيّ كلّه في سلّة واحدة. ثمّة كتابات قصصية لا تكتفي بتقديمها انطباعاً بائساً بتعبيرك فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى تلويثها الذائقة الجمالية للمتلقّي العربيّ. كما ثمّة كتابات تنتمي إلى حقل الإبداع حقاً، وتتضمّن إشارات كثيرة إلى ازدهار وتنوّع وثراء فنّي في المشهد القصصي العربيّ. دعنا نتحرّر من وهم ما يصدّره بعض الإعلام الثقافي العربيّ من نتائج لا رصيد كافياً لها في الواقع، وتعال إلى الكتابة وحدها، فهي، وحدها أيضاً، ما يقول الحقيقة لنا. والحقيقة هي أنّه كما يحتشد المشهد القصصي العربي بما لا صلة له بفنّ القصّة وإنجازاته ومغامراته، تتلامع في سمائه القاتمة إبداعات قصصية هنا وهناك شديدة الصلة بذلك الفن وتلك الإنجازات والمغامرات. ـ ما هي إستراتيجيتك في القراءة النقدية، وكيف تقرأ النصوص الأدبية من رواية وقصة وشعر؟ - تضنيني قراءة النصّ الإبداعي الذي أشتغل عليه، وإلى الآن لم أنجز نقداً حول عمل إبداعي ما قبل أن أقرأه أربع مرات على الأقلّ. القراءة الأولى لأتعرّف إلى علاقة النسب التي تربط ذلك النصّ بالإبداع، وعندما تؤكّد تلك القراءة لي أنّ ثمة علاقة وطيدة، أقرأه ثانية لأقوم بتفكيك مكوّناته وعناصره والعلاقات القائمة بينها، ثمّ أقرأه ثالثة لأكتشف المضمر منه، أي ما لا تقوله سطوحه الخارجية، وفي الرابعة لأحدّد وسائل مقاربتي النقدية له. أزعم أنني ناقد مخلص لقيم الممارسة النقدية. ـ على الدوام يتهم الأدباء والنقاد بأنهم قاصرون عن مواكبة العمل الإبداعي، ما ردك على ذلك؟ - دعني أستعد معك أولاً المثل الشعبي القائل بعد تفصيحه: "ليس كلّ مَن صفّ الصواني قال أنا حلواني". ومن ذلك المثل ثانياً دعني أقرّر، بكثير من الحقد على أدعياء النقد، أنّ هؤلاء الأخيرين هم الذين يدفعون الأدباء إلى قول ما قلت. النقد يا عزيزي يتطلّب ثقافة شاسعة، وقيماً أخلاقية، وشعوراً عالياً بالمسؤولية. وغياب واحد من تلك الأركان، أو نحوله، يعني غياباً لصفة الناقد. ـ كيف ترصد لنا التحولات المعرفية التي طرأت على قراءتك للنصوص الأدبية من الناحية المنهجية، وفي الوقت ذاته كيف تنظر إلى القراءة السيميائية للنص الروائي؟ - أنا قارئ نهم، وشديد اللهاث وراء ما يغني معارفي في حقل اختصاصي، ولذلك دأبت على تطوير أدواتي النقدية بتطوّر تلك المعارف. كنت، في بداية دراستي الجامعية العليا ومغامراتي النقدية الأولى، مفتوناً بالمنهج الواقعي، وما إن بدا لي أنّ ثمّة وطأة غاشمة للمرجع الخارجيّ فيه، وما إن ازددت غوصاً على الأطروحات النقدية للشكلانيين الروس، ومن ثمّ لأعلام المنهج البنيوي، بتلويناته المختلفة وتحولاته أيضاً، حتى كان لي معه شأن في مقاربة مصادري الإبداعية. وكذا كان الأمر مع المنهج النفسي، وسواه من المناهج الأخرى، إلى أن انتهيت، قبل سنوات، إلى أنّ النصّ الإبداعي هو الذي يحدّد المنهج النقدي الأكثر كفاءة في استكناه مكوّناته وعوامل الأدبية فيه. أمّا فيما يعني القراءة السيميائية، فلي موقف حذر منها، ولاسيّما في تطبيقاتها العربية التي غالباً ما تأخذها غواية المصطلحات الخاصة بإنجازات السيميائية على أيدي أبرز أعلامها، أمثال: "لوك"، و"بيرس". ـ كثيرا ما نطالع في الصحف والمجلات يمكن أن نسميه بقشور النقد، وهوامشه، ومقدماته، أما النقد النقد فلا نجد له أثرا، ما السبب برأيك؟ - معك حقّ، فالصحف والمجلات في وطننا العربي تشبه محرقة شاسعة تلتهم كلّ ما يُلقى فيها. وغالباً ما تكتفي بالنشر للذين يرسلون مراجعاتهم إليها، ولا تكلّف نفسها عناء استكتاب نقّاد حقّاً. إمّا لأنّ الأوصياء عليها والمسؤولين فيها يرون في الثقافة ترفاً، وربّما تبديداً للصفحات التي تجذب اهتمام شرائح واسعة من القرّاء، كأخبار الرياضة والنجوم والأبراج. وإمّا لأنّ حمّى الاستهلاك نفذت إلى كلّ شيء في حياتنا، ومنها المعرفة. ـ ما مدى تأثير النقد في النشاط الثقافي، وما هي المعايير التي يجب استخدامها في عملية النقد لتحقيق الغاية القصوى من الثقافة؟ - النقد، في أحد تعريفاته، فعالية تمييز. ولأنّه كذلك فإنّ له تأثيراً كبيراً في الحياة الثقافية. وممّا ينتمي إلى هذا المجال، أعني التأثير، قدرة النقد على وضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها، فلا إعلاء من شأن كاتب نصف موهوب يحسن التسويق لنفسه، ولا يدخر جهداً في سبيل ذلك، ولا إقصاء أو تهميش لكاتب موهوب وتمنعه موهبته الحقيقية، وكرامته، من إراقة ماء وجهه على أبواب الأوصياء على شؤون الثقافة. ولكي يحقّق النقد ذلك، فلا بدّ من وجود وسط حاضن للنقد الجادّ والمخلص للحقيقة لا نابذ له. أمّا فيما يعني المعايير، فهي كثيرة، منها وأوّلها وأهمّها إخلاص الناقد للنصّ الإبداعي، أي نأيه بنفسه عن فعاليات الارتزاق، والتدليس، والشعوذة، والتهريج، التي يمارسها أشباه النقّاد، بل الكتبة على نحو أدقّ. ـ كيف تنظر إلى المنجز النقدي في العالم العربي اليوم، ولا سيما في نقد الرواية؟ - ثمّة أداء نقدي جدير بالتقدير، وآخر يدّعي انتماءه إلى حقل النقد، ولكنّ النقد براء منه. وهو أشبه ما يكون بشاهد زور ضدّ الحقيقة. كنتُ، لفترة مصاباً بوهم مَن يُصطلَح عليهم بجيل الروّاد في الحركة النقدية العربية الحديثة، أعني جيل السبعينيات وما بعد. ولكنني سرعان ما تحرّرت من ذلك الوهم، ولاسيّما بعد أن اجتهدت على مخزوني الثقافي، وتأكّد لي أنّ عدداً غير قليل من أولئك اكتسب حضوره وأهميته في الحياة الثقافية العربية من اعتبارات غير ثقافية، وغير معرفية. فالكثير منهم لا تتجاوز معارفه حدود الجغرافية السياسية الضيقة التي ينتمي إليها، ولا يعرف سوى القليل عن أداء المبدعين والنقّاد في الأجزاء الأخرى من الجغرافية العربية. لديّ ثقة كبيرة بأصوات نقدية جديدة يمكن الرهان عليها، وفي غير مكان من هذا الوطن العربيّ المترامي الأطراف. وعلى هذه الأصوات، لكي تكسب ذلك الرهان، استثمار كلّ ما يمكن من وسائل الاتصال الحديثة في سبيل متابعة المشهد الروائي العربي كاملاً، لا مجزوءاً، وعلى نحو خالص من أوهام المركزية الثقافية التي لمّا نزل ندفع ضريبتها الباهظة إلى الآن. ـ نلاحظ في العالم العربي تقصيرا واضحا في مجال البحث الأدبي المتعلق بالقصة القصيرة، سواء داخل الجامعات، أو عبر المؤسسات الثقافية والإعلامية المقروءة والمسموعة، ما السبب برأيك؟ وعلى من تقع المسؤولية؟ هل تقع على الأدباء والنقاد وأساتذة الأدب العربي وأنت واحد منهم؟ - جزء ممّا تقول صحيح، ولكنّه لا يعني الحقيقة كاملة. فكما ثمّة تقصير في هذا المجال من أساتذة الجامعات، ومن المؤسسات الثقافية والإعلامية، ثمّة جهود جديرة بالتقدير، ودالّة على حفاوة واضحة بالإبداع القصصي العربيّ. أمّا أسباب التقصير، ومرجعيات المسؤولية في هذا المجال، فأكثر من أن تُحصى، سأكتفي بالإشارة إلى اثنين منها: أوّلها أنّه ما كلّ مَن حصل على شهادة الدكتوراه، وصار أستاذاً في الجامعة، ناقد بالضرورة. إنّ معظم أساتذة الجامعات العربية أساتذة جامعات وكفى، أيّ أنّهم ملقّنو معلومات في مرحلة متقدمة من الدراسة. وثانيهما أنّ معظم مؤسساتنا الثقافية العربية محكوم بالعلاقات الخاصة، ولا شأن للأغلب الأعمّ من تلك المؤسسات بالكفاءات النقدية، ولا يعني معظم صنّاع القرار فيها ما يعني الحقيقة. ـ أصدرت عدة مجموعات قصصية، ويبدو لي انك لم تعد على الأقل في المرحلة الحالية تحلق في فضاء القصة القصيرة، وإنما تحلق في فضاء الرواية والنقد فقط، هل هجرت القصة ولم تعد هاجسا بالنسبة إليك، أنا شخصيا لا أتمنى ذلك؟ - أجل، صارت القصّة القصيرة جزءاً من الماضي، وكذلك الرواية، لأنّ الكتابة النقدية جذبتني إلى جمر غوايتها الرجيم، فاستغرقت في عشقها إلى حد أنني صرت معنياً بمؤرّقات سواي من القاصين والروائيين وشواغلهم، لا بما يؤرقني ويضطرب داخلي من هواجس وهموم وانكسارات. أجل، لم تعد القصة القصيرة هاجساً لديّ، وإن كنت، بين وقت وآخر، أفيْ إلى ظلالها كي أحمي روحي من القهر الذي يحدق بنا جميعاً، ولكنني لا أدفع بما أكتب إلى النشر. ربّما فعلت ذلك مستقبلاً، ونشرت ما أكتب، وربّما تركته رهين الكومبيوتر الذي أحتفظ فيه بكلّ ما كتبت وما أكتب. لا أدري، المهمّ أنني أعبّر عن موقفي ممّا يضطرم حولنا من مضادات لقيم الحقّ والخير والجمال بما ينجزه الآخرون، والمهمّ أكثر أنني ما زلت موقناً أنّ الكتابة، مهما كان الجنس الذي تنتمي إليه، تحمي أرواحنا من التصدّع الذي يكاد يفترس كلّ شيء. ـ بعد الأعمال المهمة التي قدمتها للمشهد الثقافي السوري والعربي، ما هو جديدك؟ - لديّ مشروعات كثيرة أشتغل عليها، منها ما يكاد ينتهي، ومنها ما بلغتُ مرحلة متقدمة في إنجازه، وثالث لمّا يزل مخططات قابلة للتعديل. صدر لي قبل أشهر قليلة كتاب نقدي جديد بعنوان: "من التخييل إلى التأويل: دراسات في الرواية العربية ونقدها"، وسيصدر لي قريباً كتاب بعنوان: "ذهنية التوثين: نحو تأريخ جديد للقصة والرواية في سورية"، وبين يديّ ما أستطيع أن أصفه بمشروع العمر، سيكون في ثلاثة أجزاء، بعنوان: "أسئلة المقدّس والمدنّس في الرواية العربية"... وثمة الكثير... الكثير.
|
|
|