ناهض حسن. فايز العراقي /
العراق
ما يميز المجموعة القصصية: ”الأفعال الناقصة“ للقاص المبدع نضال الصالح هو ارتباطها الحيّ والصميمي بالواقع، والمكان: باب المقام، باب إنطاكية، المزيونة.. الخ.
إنّ القاص مغرم ومولع بوصف تفاصيل المكان في بيئته الحلبية، وهو شديد التأثر بهذه المدينة التاريخية العريقة ذات التراث المجيد، وحينما يصف حاراتها وبيوتها المتقاربة والألفة التي تضوع من بين أنفاس المكان فإنه يفعل ذلك بلغة العاشق المتيم الذي يذوب في حب مدينته.
ويبدو لي أن لجوء القاص إلى وصف حارات مدينته القديمة هو نوع من التشبث بالذاكرة، بالجذر الأول، الذي هو عنوان النقاء والحلم والعالم الإنساني الدافئ، وذلك في صراعه مع عالم الإسمنت والآلة، الذي بدأ يهدّد حلم القاص وذاكرته، بل يمسخ معالم المدينة القديمة ناسفاً أبهى القيم الروحية والخصائص النفسية التي يتمتع بها أبناء ذلك الجيل. لنقرأ له هذا الوصف للبيت الحلبي القديم في قصته القصيرة جداً، بعنوان: ”باب المقام“: ”بين بيوت حارتنا ألفة غريبة، كأن يديّ عاشق مكتوٍ بالهجر قد شكّلتها.. تتقابل أبوابها على نحو يخيّلُ معه للداخل إليها وكأنها كائنات من لحم ودم، مسكونة بلهفة دائمة إلى التخاطب مع بعضها بعضاً.. يغطي كل باب فيها صفيحة من الحديد الذي تنغرز فيه مسامير ذات رؤوس هندسية، وتتدلّى منه (سقّاطة) ما إنْ ينقرها المرء حتى تنفتح عن دهليز ضيق يؤدي إلى باحة واسعة يتصدرها (ليوان) عريض، وتنهض في منتصفها بركة من المرمر، وعلى جانبيها تتباسق عرائش العنب والياسمين وأشجار الكباد والنارنج. كان جدي يقول – صوت الجد هنا يرمز للذاكرة الأولى- : باب المقام كانت أجمل بكثير، كانت مثل عروس مجلوّة ليلة زفافها.. لم يكن أهل الحارة هم الأليفين فقط.. ما في الحارة، اليوم، بقية من صباها الذي يشيخ.. صباها الذي دق الإسمنت عظامه، وحوّل أجزاء منه إلى علب صغيرة متطاولة لا ترى الشمس“.
أغلب الأماكن التي يصفها القاص في مجموعته هي الأماكن الحلبية، وأحياناً بعض المناطق السورية الأخرى كقرية ”المزيونة“ التي تقع على الفرات في مدينة الطبقة، إلا أنه ينتقل بنا فجأة إلى البيئة المصرية واصفاً قرية ”أكياد“، مسقط رأس سليمان خاطر في قصة: ”المجنون“.
ولم يكن وصف القاص للمكان أو المواقع وصفاً ميكانيكاً فجاً، أي أنه لم يكن ينسخ الواقع نسخاً آلياً فوتوغرافياً بل أعاد صياغته جمالياً وتخييلياً، إنه الواقع الموضوعي ملتحماً بالواقع الفني في صيرورة جدلية حية تضفي نكهة جمالية على الواقع، هي نكهة الفن الساحرة والمعطرة بشذا الخيال الذي يحوّل الأشياء ويمنحها بعدها الجمالي الآخاذ والمدهش.
أبطال نضال الصالح، في الأعم الأغلب، مأزومون ويعيشون شرطاً اجتماعياً قاسياً، أبطال مسحوقون في أسفل القاع الاجتماعي، لكنهم لا يخنعون، يشهرون تمردهم ضد وطأة الواقع الموضوعي، قسوته، بل وحشيته أحياناً، ولذلك تتعدّد استجاباتهم وردودهم إزاء هذا الواقع، وتتراوح بين الفعل الإيجابي والقلق الذي ينوس بين شفير الهاوية وبين الرغبة في الحفاظ على الذات والنقاء الداخلي.
ففي قصة: ”المزيونة“، وهي قرية على نهر الفرات، يتحوّل البطل ”أبو دايس“(عقاب) إلى رمز أسطوري لكل أبناء القرية، فهو رمز الشموخ والتضحية، وهو البطل الفادي الذي يضحي بحياته من أجل القرية، من أجل انتصار قيم العمل والبناء.
تحلّ شخصية عقاب كقيمة معنوية وطاقة إيجابية فعالة، بعد رحيله وموته، في ذات زوجته ”أم دايس“ التي تختزن موقفه وتتمثله وتنقله من خلالها إلى كل أبناء القرية، إلى المزيونة التي تمشي باتجاه النهر، رمز الديمومة والإخصاب والحياة. أبو دايس
الذي مات بالمعنى الفيزيائي، وبقي ماثلاً كرمز أسطوري وطاقة إنسانية فعالة،
هذا ما تكشفه خاتمة القصة في لحظتها التنويرية على لسان أبي عايد: ”عقاب
العبد ما يموت.. المزيونة ما تولّي ياأم دايس“، وعلى لسان أم دايس: ”نهضت أم دايس.. أطلقت زغرودة عالية، أشعلت صباح حارة المزيونة التي أخذت تمشي باتجاه النهر“.
في هذه القصة يبرع القاص في تنويع أساليبه الفنية، في لعبة تداخل الأزمنة، حيث تبدأ القصة بالزمن الحاضر، ثم يتقاطع مع الزمن الماضي عن طريق تداعيات ”أبو عايد”، وهكذا يتناوب الزمنان في بنية سردية محكمة البناء.. بنية تزاوج بين الواقعي والحلم، بين الواقعي والفانتازي، وتكشف عن أساليب فنية متعددة: السرد، الوصف، الاستذكار، المونولوج، حلم اليقظة.
إن التنويع في هذه الأساليب الفنية يكاد يكون سمة مشتركة في غالبية قصص المجموعة، وهو دلالة أكيدة على ثراء تجربة القاص وتملكه لأدواته الفنية، وعمقه الرؤيوي الشمولي في عملية تفاعله مع العالم والأشياء والبشر.
وفي قصة: ”آب اللهاب“ ينتصر بطل القصة، العامل ”حسن“، على شرطه الاجتماعي، على رمز الاستغلال الممثل بشخصية ”خرطوش“، الرجل الطفيلي الذي كان يسرق جهود العمال عن طريق ابتزازهم وإرغامهم على دفع ”الخوة“ له.
أمّا في قصة: ”فرصة من ذهب“، فنتعرف على نمط آخر من الشخصيات.. على ”سعيد“، الموظف الصغير الذي يعيش حالة من الفقر المدقع، لكنه مع ذلك يحافظ على نقائه الداخلي ونظافته الإنسانية وسط عالم يغرق تدريجياً في الوحل، في زيف العلاقات الإنسانية القائمة على المصلحة الفردية، وعلى الرشوة والمحسوبية.
تسنح لسعيد فرصة الإثراء غير المشروع عن طريق زملائه في الوظيفة الذين غرقوا في الوحل حتى آذانهم: سميح، سوسن، المستخدم، أبو علي، ورئيس القسم. غير أنه يعيش في صراع مُرعب بين الرفض والقبول، بين الحفاظ على ماضيه النقي وبين التلوث تحت وطأة الحاجة والانسحاق في عالم الغيلان.
تنتهي القصة نهاية مفتوحة، وتكشف لحظة الإضاءة - التنوير عن شخصية سعيد القلقة والمترددة، إلا أن براعة القاص الفنية تكمن هنا في نزوعها الإشاري، وفي وفتح آفاق الاحتمال والتحول والتأويل أمام القارئ الذي يمتلك حساً وذائقة نقدية رفيعة، حيث يستطيع أن يقرأ النص قراءات متعددة ويوؤله كما يريد أو كما يحتمله النص.
يصف القاص حال سعيد النفسية المترددة والمأزومة في خاتمة القصة بقوله: ”هوتان سحيقتان.. كل واحدة منهما تشدّ قدمي إليها.. واحدة تصيح: أغمض عينيك، مجنون من يرى أمامه نهراً من الذهب ولا يغرف منه. والثانية: إذا أردت أن تفعل، فانظر إلى هذه المرآة لترى كيف ستكون. نظرتُ.. رأيت وجهاً شائهاً لا يشبهني.. وجهاً ممتلئاً بالأثلام والأخاديد، بين ضفتيها تتلوى جثث ناحلة تطلق أنيناً مكتوماً.. الهوتان تتجاذبان قدميّ، وأنا أذبل.. ذبلتُ.. حاولت أن أنام، لكن عينيّ ظلتا مفتوحتين“.
وفي قصة: ”الأفعال الناقصة“ التي سميت المجموعة باسمها، نتعرف على نمط آخر من الشخصيات: شخصية مثالية، ”بدر السعدي“ تعيش أيضاً شرطاً اجتماعياً قاسياً. يضطر بدر السعدي، وهو خريج جامعة يعمل مدرساً، تحت وطأة الظروف المعيشية إلى أن يعمل عملاً آخر لا يتفق مع قناعته. وكما يكشف سياق القصة فإن السعدي يبدو لنا متطرفاً في مثاليته، وذلك لأنه يرى أنه من المعيب أن يقوم المدرس بتدريس التلاميذ خارج أوقات الدوام الرسمي حصصاً إضافية من أجل الحصول على المال.
أما التعليل الذي يستند إليه، فهو يرى أن المدرسين يقصرون في واجبهم التدريسي مع التلاميذ أثناء الدوام الرسمي لذلك يرغمونهم على أخذ حصص إضافية خاصة. أعتقد أن هذه الفكرة بحاجة إلى تمحيص وإلى إثبات واقعي، فكم من الأساتذة يدوسون على ضمائرهم بمثل هذه الطريقة مثلاً؟
يتعرف السعدي على أحد التجار، ”الحاج فاضل الشمعدان“، عن طريق أحد أصدقائه المدرسين، ”مصطفى“، فيعرض التاجر عليه مبلغاً من المال لقاء تدريس ابنته ”رهف“، فيوافق تحت وطأة الحاجة ولكن ليس عن قناعة ذاتية.
السعدي كان يرى ابنته، ”ريمة“، وهي تذوي يومياً أمام ناظريه، بسبب سوء التغذية، ثمّ يتنامى الفعل الدرامي في القصة، فتمرض ريمة، ولا يستطيع والدها تأمين الدواء اللازم. وعندما كان يسعى لاستدانة مئة ليرة، كان يرتطم بإجابة واحدة من الجميع: ”أنت أعلم بالحال، الدنيا آخر الشهر“.
ثم يواصل الراوي، وهو البطل نفسه بدر السعدي، مستخدماً ضمير المتكلم سرد حكايته: ”سهرتُ مع ريمة ليلتين طويلتين.. كنت أبلل قطعة قطن بالكحول، وأضعها فوق أنفها كلما ضاق صدرها.. أمسح وجهها بالماء، وأحدثها بصوت مكتوم: يومان يا زهرة البنفسج وينتهي الشهر، ونقبض الراتب. لكن ريمة كانت تذبل“.
يحصل السعدي على الدفعة الأولى من أتعابه من التاجر، ويذهب فرحاً إلى البيت ناثراً النقود في فضاء الغرفة أمام زوجته، إلا أن الأخيرة تقول له ببرود: ”لم تعد تنفع“.
يأخذ الحدث هنا ذروة تناميه الدرامي، حيث يكتشف السعدي أن ابنته بالمستشفى، يخبره الطبيب: ”ساقا ريمة مقوستان. قال لي الطبيب بعد أن رآهما: البيض والحليب هما الحل، والشمس أيضاً“، وأنّ ”العلّة فقر دم“.
لعلّ براعة القاص تكمن هنا في خاتمة القصة، أي لحظة الإضاءة / التنوير، فقد جاءت هذه الخاتمة لتفتح المجال واسعاً أمام إمكانية التأويل والتعدد الدلالي، لنقرأ هذه الحوار الختامي بين الأستاذ وتلميذته:
”- نبدأ الدروس أستاذ؟
- نبدأ.
- أي درس أستاذ؟
- الأفعال الناقصة“.
يترك القاص هنا فسحة كبيرة أمام المتلقي والقارئ اللبيب لإعمال الذهن والمخيلة وإثارة الأسئلة، لماذا الأفعال الناقصة تحديداً؟ ولماذا لم يدرّس بدر السعدي تلميذته درس المبتدأ أو الخبر مثلاً؟ هل أراد البطل الإشارة إلى الزمن الناقص، أي زمن الناس الطفيليين؟ أم أنه أراد أن يلمح إلى فكرة ”النقصان“ من خلال الرؤية الفلسفية الوجودية القاتلة: طالما لا يمكننا الكشف عن المطلق فإن فكرة اللاجدوى هي السائدة.
في حوار مباشر مع القاص نضال الصالح كشف لنا بأنه أراد من هذه الخاتمة القول: إنه زمن اللافعل مستفيداً من المدلول اللغوي والنحوي للأفعال الناقصة بوصفها تشير إلى الزمن من غير أن يرافقه الفعل.
وبالرغم من رؤية الكاتب هذه، فإن النص المفتوح هذا يحتمل حسب وجهة نظري إمكانية التأويل وتعدد القراءات وتعدد الاحتمالات.
أما في قصة: ”الشيخ عبو“ فنحن أمام شخصية أخرى مغايرة تتسم بالتفرد والتمايز. القاص أراد من خلال هذه الشخصية / الشيخ عبو كشف حال الدجل والشعوذة التي يمارسها أدعياء الورع والتقوى. فالشيخ عبو الذي يقوم بصنع الأحجبة للنساء، كان يقوم بإغوائهن وتطليقهن من أزواجهن ثم الزواج منهن. وقد تكررت هذه الحادثة مع أكثر من واحدة.
القاص هنا يبني قصته بشكل مُحكم ومتين، وهو هنا أيضاً لا يسلم مفاتيح قصته للقارئ بيسر، بل يحتفظ لشخصياته بالكثير من الأسرار والمغاليق. فـ”حسيبة“ شخصية تموج بالأسرار ولا أحد يعرف عنها شيئاً: ”وراء حسيبة سر لا يعرفه إلا الله، والشيخ، وحسيبة“. كما أننا لا نعرف سبب تطليق الشيخ للصبية ”ناجية“، زوجته الجديدة، ولا نعرف لماذا قالت له: ”ذنب الكلب أنظف من لحيتك يا شيخ الزاوية“. لكننا من خلال هذه الإشارة والتلميح نفهم حقيقة الشيخ وجوهر شخصيته القائمة على الدجل والشعوذة والقذارة.
يقيناً أن القاص هنا من خلال مغاليقه يحاول إثارة المتلقي وتحفيز ذهنه للعمل والمشاركة في بناء القصة من منظوره ورؤيته الخاصة، كما إنه نص يختزن الكثير من الأسرار التي تختزن بين طياتها ألقها ودهشتها الخاصة، إلا أن القاص لا يمارس ”لعبة“ الغموض من أجل الغموض، بل هو الغموض الفني والموحي والذي يمكن أن نصل إلى بعض مفاتيحه من خلال الإشارات والتلميحات الذكية للقاص ومن خلالها نستطيع إضاءة النص في مستوياته وأبنيته المتعددة والمركبة.
هو نص مركب ومعقد يستمد تركيبته وتعقيده من غنى الواقع وتعقيده.
زمن القصة هنا زمن دائري مغلق حيث نقطة النهاية هي نقطة البدء ذاتها من خلال الفعل الذي يمارسه ”عبد الرحمن العساف“، ابن مطلقة الشيخ، ”ناجية“، الذي كان يقوم بضرب كل من يناديه من أبناء حارته: ”ابن ناجية“، وكأن القاص أراد أن يشير من خلال مقولة الزمن الدائري بأن الدجل والظلام يأكل ذاته بذاته، وليس ثمة آفاق مفتوحة أمامه.
يبني القاص نضال الصالح شخصيته بشكل فني محكم ومتماسك، وهو مولع بوصف العالم الخارجي والعالم الداخلي لأبطاله. وصف دقيق يتناول أصغر الأشياء وأدقها، ويدل على فراسة ثاقبة، وذهن حيوي متقد، لنقرأ له هذا الوصف الخارجي الرائع لشخصية الحاج فاضل في قصته: ”الأفعال الناقصة“:
”ظللتُ لائذاً بالصمت.. أرقب الرجل بعينين متلصصتين.. جسدٌ غائص في المقعد، تنبق من منتصفه بطن منتفخة، ومندلقة إلى الأمام.. ساقان مرخيتان على طولهما، تلتفان عند الحذاء الأسود اللامع فوق بعضهما بعض.. رأس تحدّده تضاريس متورّمة.. خدان نافران ومكتنزان عند لقائهما بالعنق.. جبين ضيق، يعلوه شعر مصفف بعناية فائقة إلى الوراء.. ثياب كحلية داكنة.. قميص أبيض تتدلى من ياقته ربطة عنق حمراء“.
وهو لا يقل روعة حينما يصف العالم الداخلي لأبطاله، حينما يتغلغل بعيداً في أعماقهم النفسية ممارساً علمية الاستبطان وكشف الداخل الإنساني المضطرم، المعقد، المتناقض، الداخل الذي يمور بالحركة، ويعج بالثنائيات الحادة: الفرح والحزن، المرض والصحة، السعادة والشقاء، الموت والحياة، الخصب واليباس، لنقرأ له هذا المونولوج العميق الذي يكشف العالم الداخلي لبطله المدرس بدر السعدي وهو يحاور تلميذته رهف، عالم داخلي مضطرب، يعج بالقلق، ويكشف عن وعي حاد ومرهف كالنصل، وعن مخيلة محلقة عميقة الغور تستند إلى رؤيا تتصف بالشمول والكلية:
”سألتني رهف وهي تراقب عيني المحملقتين في الثريا:
- أعجبتك أستاذ؟
ظللتُ صامتاً.. أحسستُ أن دواراً قاسياً يعصف برأسي، موجة تطوح بي، وأخرى تشدني إلى القاع
.. قاع عميق.. اتسعت عيناي فيه.. رأيت حيتاناً، وأسماكاً صغيرة، ونباتات تهتز.. هزتني حركة رهف المفاجئة وصوتها الضارع.. ظننتُ أن عقرباً لسعتها، لكن الحمرة التي ورّدت وجهها أكثر قالت غير ذلك.. قالت بفرح كمن يقبض عن شيء غال:
- المسلسل.
- خير؟
- ألا تراه أستاذ؟
- يجنن.. سأضع شريط الفيديو وأعود“.
ثم نقرأ له هذا التداعي المحموم الأقرب إلى الفانتازيا، أو حال الذهول التي تكشف بسطوع عن الحالة الداخلية لبطلة بدر السعدي: ”قبر.. قبو.. رطوبة، ريمة، دوار“.
وإذا كان القاص موفقاً وناجحاً في الغالبية العظمى من قصص المجموعة من ناحية: البناء الفني العام، ورسم الشخصية، واختيار الحدث المتميز والدال، والتطور الدرامي المتوهج والحار لأحداث قصصه، وفي التخييل والرؤيا واللغة، إلا أن مستواه الفني هبط قليلاً في بعض قصصه القصيرة جداً: ”حب“، و”جوع“، حيث لم نلمس تلك الإضاءة المدهشة في خاتمة القصة، وهذا النوع من القص الفني الصعب يحتاج إلى الكشف عن المعاني العميقة الدالة بأقل قدر ممكن من الكلمات، كما أن خاتمته تعتمد في بنيتها على تكثيف كامل المشهد القصصي بالضربة النهائية التي ينبغي أن تكون متوهجة ودالة ومضيئة ومتفردة.
إن ملاحظتنا هذه لا تقلل مطلقاً من الأهمية الفنية والفكرية لغالبية قصص المجموعة التي تدل على تمكن القاص من أدواته الفنية وعلى براعته وجديته الحقيقية في كتابة هذا الجنس الأدبي الإبداعي.
لغة القاص نضال الصالح لغة فنية مجازية مدهشة، لغة تُلمح ولا تصرح، تومئ ولا تقرر، في الأغلب الأعم، وتمتاز بشدة التكثيف والتركيز مما يمنح جسد القصة أو بنيتها العامة تماسكاً مدهشاً بعيداً عن الترهل والإسهاب والتمطيط المفتعل. ولعل فرادة وتميز هذا القاص المبدع تكمن أولاً في لغته هذه، في قدرته على تطويعها واستخدامها استخداماً فنياً مدهشاً، وفي اشتقاقاته اللغوية والعناية الفائقة في انتقاء مفردته، من مثل: تتباسق، يتواثب، يدلق، يسح، مزججة..
وفي أماكن كثيرة من هذه المجموعة يتجلى لنا الانزياح اللغوي والدلالي في أبهى صوره وهو دلالة على قدرة القاص في الابتكار والتجديد وتجاوز المألوف والمكرور والبناء العادي في القصة، لنقرأ له هذا الانزياح اللغوي المدهش:
”شهقت ذبالة السيكارة، ثم فضضتُ بكارة واحدة جديدة“، وقوله في موضع آخر: ”تخلصتُ من الدهشة التي استعمرتني“، وقوله: ”تغتسل بيوت القرية بالنهار“. لاشك أن هذه المحاولات اللغوية الناجحة تدخل في إطار تجديد اللغة واستخدامها استخداماً فنياً مدهشاً يبعدها عن المكرور والعادي ويمنحها النضارة والألق والدهشة.
إن هذا التجديد اللغوي ينبع من اللغة ذاتها، من حيويتها الداخلية، ومن قدرة الكاتب على إقامة العلاقات اللغوية المدهشة بين المفردات، ومن الملاحظ هنا أن الكاتب يستخدم المفردات البسيطة واليومية، الواضحة والسلسة، من دون تعقيد أو إغراب، بل يبتعد عن اللغة المعقدة أو القاموسية وهذا دليل على أننا نستطيع بأبسط الكلمات وأوضحها أن نبني بنية لغوية جمالية جديدة ومدهشة تفضي إلى بنية فكرية عميقة ومشحونة بطاقة دلالية وتأويلية متنوعة وغنية.
إن التجديد اللغوي لا يعني بعض الفذلكات اللغوية التي يمارسها بعض الكتاب الذين يتوهمون بأن الإغراب والكلمات المعقدة والقاموسية وعرض العضلات اللغوية المفتعلة هي التي ستقودهم إلى فضاءات التجديد اللغوي أو الانزياحات اللغوية المدهشة والمبتكرة.
يستفيد القاص نضال الصالح من تقنية الشعر كثيراً ولغته لغة مسربلة بالشاعرية، بل هي لغة مغمسة بمياه الشعر وأمواجه المتلاطمة، لذلك فإن من أهم سماتها الفنية: الإيحاء، والإيماء، والتركيز.
وكثيراً ما تساعد هذه اللغة القاص على بناء صوره الفنية المدهشة ذات الطابع الشعري والأخاذ والمحلق: ”بين ضفتيهما تتلوى جثث ناحلة تطلق أنيناً مكتوماً“، وقوله: ”ترى شامة تستلقي بفتون على خدها الأيسر، فصولاً أرجوانية تتوزع وجهها، وليلاً قمرياً يستريح في عينيها السوداوين“، وقوله: ”تتثنى الكلمات كراقصة فرعونية“، وقوله: ”دلفت شقوق النافذة المتآكلة ضوءاً نحيلاً إلى الداخل“، وقوله: ”تدور عينا بهية يمامتين مطاردتين“.
إن هذه الصور الفنية المبتكرة والمشرقة وغيرها من الصور المبثوثة في غالبية قصص المجموعة تدل دلالة أكيدة على المخيلة الرحبة التي يمتلكها القاص. وعلى امتلاكه ذهناً تركيبياً قادراً على إنتاج الصور المركبة التي تتزاوج فيها الظواهر الحسية بالمجردة، وإن كنا نلمس غلبة الطابع الحسي على المجرد في عملية التكون والبناء الفني لهذه الصور.
إن القاص نضال الصالح في مجموعته القصصية هذه، وفي كتاباته القصصية السابقة يؤكد على تميزه وفرادته القصصية على مستوى اللغة والتخييل والرؤيا والارتباط بالواقع، وعلى قدرته في إيجاد نوع من التوازن بين طرفي العملية الإبداعية: القيمة الفكرية والقيمة الجمالية الإبداعية في النص القصصي.