زياد محمد مغامس. فلسطين
ارتأى القاص نضال الصالح أن يجعل مجموعته الجديدة: ”طائر الجهات المخاتلة“ في قسمين، قسم للقصة القصيرة، وآخر للقصة القصيرة جداً. وقبل أن نبدأ دراستها نلمح إلى أن قصصها تتوزع على الشكل التالي: قصتان وطنيتان (طائر الجهات المخاتلة
– غيمة النرجس) وقصتان اجتماعيتان (سلافة
– مقام الحيرة) وقصتان تميسان بين الذاتية والسياسية وتتحدثان عما يكابده العربي حين يريد الدخول إلى موقع آخر من الجغرافية العربية غير وطنه الأم، فيعوّق، بينما يستبيح الغريب هذا الجزء بالشكل الذي يشاء (تحولات عبد الرشيد
– بين يدي إيزيس).
وسنقف في عجالتنا هذه عند واحدة من كل جنس أدبي طرقه القاص في هذه المجموعة، فالقليل يغني عن الكثير ويدلّ عليه، لأنه في مستوى جمالي واحد، والعبرة ليست في الإطالة، بل في الدلالة. وقبل أن نصل إلى ذلك نشير إلى أن القاص كان موفقاً في اختياره أسماء شخوصه القصصية، فعبد الرشيد عبد بكل ما تحمله كلمة العبودية من معنى، وإيزيس رمز لمصر، وعرفان، ويمين، وفهد.. كلها أسماء دالة واضحة إذا جاز لنا أن نستخدم الكلمة اللسانية في هذا الموطن.
وقد تناول موضوعاته بحس مرهف وذهن متوقد وضمير يشغله حب الوطن الذي استقر في أعماقه وراح يحركه بخط صاعد إلى الأمام غير عابئ بالمعوقات، وما أكثرها! فما كان همّه في المجموعة سوى النهوض بالوعي وتحريك ضمائر أولئك الذين يحاولون أن يتستروا بالغربال ويبرروا كل تصرف شائن متناسين القطاعات العريضة التي جفت حناجرها وهي تهتف لتقدم الوطن وتحرره، وتحرّكُ ضميره واشتعاله قابله تحركُ ضمائر القص كما سنوضح لاحقاً.
ولن نأتي على فنية قصصه القصيرة جداً، لأننا نرى أنها متكاملة في هذا الجانب، وقدمت بنجاح في لغتها المكثفة وحدثها وأشخاصها وزمانها ومكانها، وكانت فكرتها مضيئة، ضياؤها لا يخبو لأنها ملتقطة من واقع معيش، وتمس فكرتها شريحة كبيرة من شرائح المجتمع، ثم هي تمثّل
– كما يبدو - منهجاً وطريقة وأسلوباً تدلّ به على صاحبها، إذا اعتبرنا أن الأسلوب هو الرجل. إنه أسلوب واضح، رقيق، صاف، كالماء والهواء النظيفين، وهذا سرّ نجاح القاص في هذا اللون من الكتابة القصصية. فقصة: ”نظافة“ التي وقع عليها الاختيار كنموذج للدراسة وللدلالة على كاتب متقن لهذا اللون تتألف من مئة وأربع كلمات، أتت واضحة الهدف، متماسكة العجين اللغوي والفكري، وشيء من عنوانها يدل على محتواها، وهي تبدأ من فرحة الأنا وغبطة الذات وهي تحاول الدخول إلى فردوس الأدب بخطى ثابتة، لكنها سرعان ما تصاب بخيبة الأمل، بعد مكابدة ليلة سهر أنفقتها في جحيم الترقب وما سيحمله في جعبته من أمل قد يروي العيون الظماء للكلمة النظيفة، وما كان عرفان (اليقظان
– صفة من إضافتنا) يدري أن قصيدته ستودع في سلة المهملات، لأنها تحتاج إلى تنظيف، وذلك لأن المحرر الأدبي كان عاملاً في النظافة، وتحول عمله شكلاً وبقي مضموناً، فقد أوكلت إليه مهمة جديدة، هدفها تنظيف المدينة من الكتّاب والشعراء والنقاد والمبدعين و.. وطرح القاص بها مقولة الشخص المناسب في المكان المناسب بكل ثقة وصراحة، ولم يكن مختبئاً وراء مفردة أو متستراً وراء جملة تحتمل تأويلاً أو ظناً بعيداً، لو لم يأت القاص في مجموعته بها لكفته، لأنها دلّت على نظافته الشخصية والأدبية، ولم نوجزها، لأنها قصيرة جداً أولاً، وخوفاً من أن يغتال القلم أية خلية منها، وفضلنا أن نتحدث في مدلولها، وفجأة وجدنا أنفسنا معنيين، ولم نستطع أن نقف إزاءها على الحياد، فقد بدأت بالأنا وانتهت بضمير الجماعة
– كغالب قصصه
– لأنه يكتب عن ذات مفردة لكنها متصلة بأمتن الصلات مع الجماعة، وكان فيها شفافاً جميلاً متقناً لفن جديد نسيباً بدأ به سابقوه، وعلى نفس المنوال يمكن أن تكون بقية القصص، لأنها مقدمة بالطريقة نفسها.
أما قصة: ”مقام الحيرة“ فهي قصة محيرة، لجمالها وجاذبيتها، ولأن التعامل معها ممكن بأكثر من طريقة، وهي قصة إنسان محكوم بعاطفة شرقية أصيلة، يقف في مواجهة الذات والمقربين والآخر، وهذه المواجهة أصبحت عبئاً ران على صدره سنين عدة، وكان يحز في وجدانه كحد السيف، وظهر في كلماته وتصرفاته وحيرته، وتبخر الحلم الذي نبتت له أغصان داخل المخيلة، لكنها أغصان بلا أوراق، بل أغصان تساقطت أوراقها، عندما تحول التخيل إلى تمثل، ومن ثم تحول التمثل إلى تخيل من جديد، وما أقسى ذلك على قلب الفنان! الفنان الذي يحلم في الزمن الحاضر ويراه ماثلاً في الماضي بكل قسوة الماضي.. وعاد بعد مكابدة مثلما أتى و..
وللبدء بتناوله تناولاً فنياً نوجزها بالتالي:
عزب تجاوز الأربعين، توصيه أمه بأن يتيمن في شؤون حياته كلها، حتى في قضية زواجه، بينما كان والده يشجعه على اليسار في دنياه وآخرته، وكان كل من الأم والأب يفلسف نظرته ويدافع عن رأيه بطريقته، حتى رأى الفتاة (يسرى) فأحبها، واعتذر من روح أمه، وتزوجها، فانتهت بذلك مرحلة من حياته وبدأت أخرى، حيث ارتفع مستواه الوظيفي في المؤسسة، ولكن ذلك كان على حساب غياب يسرى المتكرر ليلاً، الذي أرغمه على أن يقذف في وجهها أبغض الحلال ثلاثاً، فعاد إلى قسوة الحيرة لأن الذئاب تترصد كل الشرفاء محذراً الجميع منهم: ”فالذئاب تترصدني، تترصدكَ، تترصدكِ، تترصدنا، تترصدكم في كل اتجاه“.
هكذا تنتهي القصة التي يمكن النظر إليها من زوايا أو سطوح عدة، أو التي يمكن قراءتها قراءات عدة:
فهي قصة اجتماعية، تهدف إلى إيجاد التوازن بين الإنسان والمحيط
– فهو عزب يريد أن يكمل نصفه الآخر
– حتى تذهب عقدة النقص، وتنتفي إشارات الاتهام التي يتهمّ بها كلّ من يتأخر في البحث عن نصفه الآخر، والزواج حاجة أساسية من حاجات الإنسان، ترتبط فيها الأنا الضيقة بالآخرين، بالكيان المشترك للناس: ”أنقذتني يسرى من أحابيل الوحشة والعزلة، ولو لم يكن لي من هذه الحياة غيرها لكفاني ذلك.. صرت مديراً عاماً للمؤسسة التي بدأت فيها موظفاً صغيراً“ وبذلك جعل فرديته اجتماعية بتغلبه المرحلي على تأثير الواقع الجزئي ممثلاً في مهر الزوجة وإسكانها، وتلبية طلباتها، والكلي من خلال الرضى عن المتزوج والرفض للعزب في بعض المواقف. فالقاص تمثّل حالات الآخرين
– طبقة العزاب
– إن جازت التسمية، وتحدث عنها بعد أن عايشها فنياً، وعبّر بفنه عن قسوتها وتوترها وتناقضها بقلم يحمل الكثير من الخصوصية، ركز فيه على حالة فردية، وتعمّق فحصها إلى الحد الذي أدى إلى الرؤية الواضحة التي استطاع بها أن يفتح نافذة في هذه الاتجاه.
وهي قصة سياسية، تمثّل انعكاساً للتيارات السياسية السائدة، ولبعض المقولات التي يتصارع فيها اليمين واليسار العالميين، بإسقاطه فنياً على أسرة يمكن أن تمثل العالم الثالث بكل فئاته، فالأسرة تتمثل مفاهيم اليمين واليسار، وتؤمن به، وتحاول تطبيقه على نطاق الأسرة الضيق، الاسم (أيمن): ”واليُمن: الخير، والبركة. واليسار، من يسر.. واليُسر: السهل والغنى، واليسرى: الطريقة الأكثر رفقاً“، وتظهر القصة أثر ذلك الصراع في بسطاء الناس من خلال الأسرة التي لا تصلحها نبتة غريبة وافدة، فلا اليسار أجدى، ولا اليمين نفع مجتمعنا، بل تعاونا معاً على الفتك به، وكأنه يريد أن يقول: لا ينفعنا إلا ما ينبت منا وفينا، ويحمل شميم فكرنا وأرضنا وقيمنا، فالأم قتلها ورم خبيث في نصف رأسها الأيمن، والأب قتله شلل في نصف جسده الأيسر، بفعل ما مرّ عليهما من خيبات، بل على العالم الثالث كله، كأن سبب تأخرنا وموتنا التيه والضلال اللذان يمثلهما اليمين واليسار، فالأب يرمز لنصف المجتمع التائه، والأم تدلّ على النصف الآخر الحائر وما بين ذلك تنبت الخطيئة، ويورق العدم، ويبقى الوطن
– الناس متخلفاً تسيّره القوى الظالمة إلى العدم: ”يا أمي التي غيّبها الموت بفعل ورم خبيث تسرطن في الجهة اليمنى من رأسها، يا أبي الذي شلّ نصفه الأيسر بفعل ما تراكم عليه من خيبات“، وفي كل هذا ظل القص محتفظاً بطزاجة الحدث وسريانه وتدفقه، مما يدل على حذق الكاتب في نقله الحدث من المخيلة إلى السطور، ومن الفراغ الواسع المشكل للعالم المترامي، وتصارع القوى، وصولاً إلى الفرد الواحد ممثلاً في الأنا المركّزة، التي لا ترى العالم من ثقب الباب، بل تراه رؤية من يفكر ويتحدث، ويتطلع إلى الأمام، للواقع العام سياسياً، وللواقع الذاتي اجتماعياً، من خلال الرغبة بالتواصل عن طريق الابن الجديد الذي لا يأتي إلا عن طريق الزواج، وهي الطريقة المثلى للتكاثر حتى الآن.
وهي قصة نفسية تمثل صراع الإنسان مع نفسه بعمق، فهو عزب في الأربعين ولمّا يتزوج، ومع والدته وأبيه المتصارعين بين اليمين واليسار، ومع يسرى التي رفعته على حساب شرفه الذي أضاعته في حمراء الليالي، وهنا يظهر الصراع النفسي، إما أن يصمت ويستمر في الصعود، أو يتكلم ويعود كما بدأ، وانتصرت الذات أخيراً، وتسامت على الجرح، وانتفض المارد، وحبّذ الشرف والكرامة مع الفقر، ورفض المنصب والجاه مع الانحدار الأخلاقي، وهي قضية صعبة اجتماعياً، وصعبة فنياً، لأن البطل فيها لم يبق عل الحياد، بل انحاز إلى موقف تنازع فيه عاملان: الذات المفردة، والمجتمع وما فيه من ضغوطات محبطة، ويبدو القاص في ذلك قريباً من محاكاة الأدباء الآخرين، ممن طرقوا مثل هذا في إبداعهم، لكنه ليس كذلك، فهو يحمل في داخله نكهته الخاصة، ويشير إلى أنه إبداع ذاتي محض، يكمن وراءه فكر نظيف، قادر على الاختيار، وعلى الإبداع الذاتيين، محصناً بلغة جميلة تتناسب مع الحدث المتجلي في المضمون.
ونلمح في القصة بعض المثل، وبعض الإشارات السريعة الدالة على عقم التربية القسرية، وقسوة تنفيذ رغبات الوالدين على أنها أوامر قسرية، خشية من غضب أحدهما أو كليهما، وتأتي الصعوبة فيها من معاناة الشاب، في محاولته إرضاء الطرفين، والربط بين عقليتين مختلفتين لذكر هو والده، وأنثى هي أمه، وقد وفّق بين كل الأطراف بنجاح، وربط بإحكام، بين أفكاره المركبة، والمتزاوجة المتوافقة مع مشاعرنا التي انتابتنا، ونحن نقوم بفعل القراءة، التي جعلتنا ننتقل بفكرنا، من الأدب إلى الاجتماع، ومنه إلى علم النفس، متواشجاً مع بعض العلوم الأخرى كالسياسة والاقتصاد.
ويمكن لنا أن نطرح سؤالاً مفاده: هل أتى كل ذلك للقاص بمحض المصادفة؟ لا أظن ذلك. ويؤيد الإجابة بالنفي قول د. خليل موسى: ”تأتي التجربة في حالات مختلفة، ولا يشترط فيها العمق والمغزى، والتجربة ذات المغزى هي التي لا يدخل فيها شيء بمحض المصادفة، بل يكون كل جزء منها متلائماً ومتصلاً بسائر الأجزاء، وكل شيء فيها له وجوده من أجل نفسه، ومن أجل الكل“، ولم يلحظ أي عجز من أي لون داراه بالدوران، أو غلّفه بستار فكري أو فلسفي أو سياسي سطحي، بل كانت سياسيته واجتماعيته مهدوفتين، يتمثل فيهما مستوى ذهني رفيع، وعاطفي أرفع، تناوله وعي فني موضوعي للواقع بشقيه، السياسي ممثلاً في صراع اليمين واليسار، والاجتماعي ممثلاً في صعوبات الزواج، وصراع الرغبة الذاتية في التواصل والإنجاب مع ما يدو في فلك ذلك من عادات اجتماعية.
وهذا الشكل من الأدب الصادر عن اللاشعور الباطني، غالباً ما يحمل رؤاه الخاصة المنبثقة عن تجربة توضّحها الصورة في اللغة، وينبض بها الإيقاع، وهي رؤية إيحائية لا تقدم بشكل تقريري أو مباشر، وإنما تستشف مما تنبض به لغة القص المليئة بالمحاكاة، وبالإبداع الذاتي اللذين يسرا القراءة اللغوية السريعة التي سنمر فيها على حالتين: الفعل، الضمير، في تحولهما، وعلى الأصالة والمحاكاة، والدقة في التعامل مع الأسلوب، فالمحاكاة تتمثل في مقبوساته من القرآن الكريم، مشارٌ إليها بأمانة ومستفاد منها بدرجة عالية من الإتقان، وهل أقوى من الأسلوب المتمثل في قوله تعالى: ”أصحاب الميمنة.. في سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود، وماء مسكوب، وفاكهة كثيرة، لا مقطوعة ولا ممنوعة، وفرش مرفوعة..“، مستفيداً من ذلك الأسلوب الذي لا يجارى لخدمة فكرته ورؤيته التي تسير في القصة وفق مستوياتها المتعددة، المشدودة إلى خيط من الوعي الدقيق بالأسلوب القرآني ليكون متآخياً مع أساليب أخرى، أقلّ رفعة ونصاعة، لتكون كلاً متعدداً في واحد، كأسلوب الحديث النبوي، بكل ما يمثله من عمق مشحون بحنان زائد لأم حنونة، ممثلاً بقوله: ”كلْ بيمينك، واشرب بها، ونمْ على جنبك الأيمن“، وقد نهل منه حتى الثمالة، وأضافه إلى قصته ليكتمل به الأسلوب الذي يصدر عن اللا شعور الباطني الذي امتصّ كثيراً من بلاغة القول واسترجعها في أبهى حلّة، كما استمدّ بعض بلاغته من الموروث القاموسي: ”اليمن: الخير والبركة، والقوة والقدرة، والمقسطون والعادلون في حكمهم، وما ولوا على منابر من نور عن يمين الرحمن في الدار الآخرة، والحجر الأسود يمين الله في الأرض، والنبي الكريم كان يحب التيمن في جميع أمره ما استطاع، واليسار من اليسر، أي لعب بالميسر، والياسر : السهل الانقياد، ويسر الشيء : قلّ..“.
ومن بليغ الشعر انتقى قول الشماخ من الشعر الجاهلي الذي سيقى مدرسة للأجيال محرّفاً في اسم ممدوحه. كما احتذى طريقة، وليس كلام، الشعراء المحدثين الكبار. وتمثّل أسلوبه في القص ببعض الإيحاء، أليس الأدب أولاً وأخيراً هو تفكير وشرح بالصور: (المدججة بالشهوة
– حمحمت الوصية
– استعنت بما تباسق من حب
– فاتحة المشتهى
– تبر ابتسامتها الرؤوم..).
ولأن القصة قابلة لأكثر من قراءة، وطيعة لأكثر من تفسير، فيمكن أن تدرس عن طريق البنية الأسلوبية التي يهتم بها نقاد الأدب حديثاً، ولن نقوم بذلك، ليس لعدم جدواه ولكن لطوله. غير أننا سنقدم مقطعاً صغيراً دالاً على دقته وتساميه من خلال اللغة: ”كنت ما إنْ أرفّ لها بعيني اليمنى حتى تشعل قلبي بما لذّ له من النبض، ما إنْ أمرّغ روحي بتبر ابتسامتها الرؤوم حتى تتأجج فيّ نضارة الصبا الذي ولّى أو يكاد، كأنها سرب من طيور الحلم التي أخذت تضيء ليالي الموحشة، ليالي التي ظلّت فيما انصرم من العمر تنزّ وحدة وبرودة قاتلتين“.
وسنمرّ على تقلبات الضمير في القصة، كما سنمر على تحولات الفعل الذي نراه متكاملاً مع الحدث. فقد بدأ القاص قصته بفعل الأمر، بكل ما تحمله هذه الصيغة من قسوة: (كلْ
– اشرب
– نم
– ادعُ..)، ثم أخذ هذا الفعل يختلف زمناً وعدداً، مع اختلاف حركة الحدث وتقلبه، ثم تحوّل إلى ماضٍ ثلاثي يتصل بتاء الفاعل غالباً: (حفظتُ
– نفذت
– أضفت
– بدأت.. ) وتاء الفاعل المتحركة التي تدل على الحركة وعلى القيام الطوعي بالفعل، وكانت حركة الفعل تماثل حركة الحدث التي كانت فوقية فصارت طوعية: (أضفت) وهكذا.
ومع تقدم الحدث وتعقده يتقدم الفعل تقدماً تدريجياً متناسباً مع الحدث، فقد تحول من السارد المتكلم بتاء الفاعل إلى السارد الغائب بتاء المضارعة غالباً لأن ما سيجري له ومعه سيكون الآخرون سببه : (ترخّم
– تشدّ
– تمطّ
– تملأ..) مع نفي كانت تمائمه تتردد داخل النفس، ومع تعقد الحدث وتكاثر جزئياته، كثرت أحرف الأفعال عدداً، وبقيت محافظة على حاضرها زمناً، لكنها تحولت إلى الآنية في المعى: (استغفرت
– أنقذني
– عانيت
– فاتحتها
– تعطيني..). واللافت أن هذه الأفعال التي وردت بعد أن عاشت في اللا شعور وردت متشابهة الوقع والأحرف والضمير، متساوقة مع هموم نفسية، تقطيعها مؤلم وحاد ومتشابه بدفقه العاطفي، ووصلت درجة الألم إلى حد لا يطاق، عندما صرخ في نهاية القصة: ”يا أمي.. يا أبي.. أيها الضائعون، المضيعون.. الحاضرون، الغائبون..“، وفيها عاد إلى الأمر الطلبي الذي يحمل رجاء ما، عسى أن يجد في الآخرين السلوى، وقد بدأ الفعل أمراً وانتهى كذلك، وبذلك تكون القصة قد التحمت نهايتها ببدايتها وأصبحت دائرية، تكاملت فعلاً وضميراً، وحدثاً اجتماعياً وأدبياً، ويفضي بنا هذا إلى أن قراءة القصة ممكنة من نهايتها عوداً على بدئها، دون تحريك في الضمائر أو تبديل في الأزمنة، يساعد على ذلك تقنيتها التي قدّمت بها، وكانت على شكل مقاطع، لعب فيها الاسترجاع دوراً مهماً، ويمكن أن يقوم بذلك المهتمون بالعلاماتية والمغرمون بالدراسات الأسلوبية.
وقبل أن نسدل الستار سنمرّ على تقابل الضمير وتطوره في المجموعة، فقد بدأ بنفسه مخاطباً ومتحدثاً، وانتهى بتقلبات الضمير الممكنة، المتساوية مع الحدث الاجتماعي، مستخدماً أداة النداء أيها لأنه يعرف أن الذين سيتحدث عنهم، فبعد أن كان الحدث شخصياً مفرداً استطاع بحذقه وفنه أن يسقطه على الآخرين وأن يجعلهم مشاركين فيه، فالأحداث السياسية، وفرقة اليمين واليسار وانعكاساتها على مجتمعنا، وهموم الواقع، والعادات الاجتماعية، تركت أو ستترك أثرها في الحاضرين، لذلك أفصح لاشعوره عن الجميع، وتوجه إليهم كلهم، فالجميع معني ومتأثر به وله نصيبه من الحدث.
وتقلبات الضمير بهذه الطريقة التي انتقل فيها الفنان من الذات المفردة إلى ذوات الآخرين وردت في غير قصة، وفي غير شكل، وكلها كانت على هيئة ضمير متصل، ولم يرد فيها منفصلاً دلالة على الارتباط الشديد بما هو اجتماعي، وهذه ميزة خاصة بالقاص فيما أظن.
وختاماً يمكن أن يتساءل المتلقي عن كمّ السياسة في القصة المذكورة، وهو متساوٍ مع الكمّ الاجتماعي، ومتكامل معه، فالآراء السياسية لا تستطيع أن تقوم مقام الموهبة الفنية، ثم إن الشعور الصادق والعقيدة السليمة لاتكفيان لتمكين الكاتب من إبداع آيات أدبية ذات قيمة، فلا بدّ أن يتفجر العمل الفني من الواقع الاجتماعي، وأن ينسج خيوطه من مادة الحياة ”لأن الأفكار والأحاسيس تتضاءل وتفقد كل مضمون إذا انعزل صاحبها عن مجتمعه، في حين أنها تقوى وتعمق وتزداد قيمة بمقدار اشتداد صلته بمجتمعه، وتأثره بمجتمعه وباتجاهاته الفكرية والسياسية والعاطفية ومشاركته بها“، وهذا ما نجح في تقديمه القاص نضال الصالح في مجموعته المذكورة، التي تكامل واستقام شكلها ومضمونها إلى حد كبير.
ملحوظة: أوردتُ المقبوسات بحذافيرها لتعطي فكرة عن مقدرة القاص على تسخير الموروث بكفاءة، وعلى الذوق الأدبي الرفيع الذي يتعامل معه محاكاة وإبداعاً.