أ. د. محمد صابر عبيد / العراق
مدخل
خلقت نظرية السرد الحديثة، بتشكيلاتها المتنوعة والمختلفة، مجالات عمل حيوية جديدة لفعاليات الخطاب النقدي, ودفعته إلى الاشتغال الحرّ على أحدث الإجراءات النقدية في مجال قراءة النصوص الأدبية وتحليلها وتأويل كموناتها النصية, وفرزت في هذا الإطار تياراً نقدياً حداثياً استلهم رؤاه المنهجية من أبرز المنطلقات النظرية والرؤيوية لهذه النظرية, وراح يفاعلها بالنصوص العربية مستكشفاً قيمة الإجراء النقدي في التوغل في جواهر النصوص وطبقاتها, وصولاً إلى أسئلتها الخصبة الممعنة في تشخيص إشكاليتها السيميائية التي لا تتوقف عند حدود المقصدية المحتملة للمبدع, بل تتجاوز ذلك إلى الكشف عن بواطن الدلالة وثراء المعنى.
تجربة الناقد نضال الصالح تتجه إلى تشكيل خطاب نقدي يشتغل على نظرية السرد ويعاين نصوصاً روائية وقصصية عربية بوعي نقدي يتعالى على الانسحاق تحت وطأة الآليات الأكاديمية للنظرية, ويسعى إلى إخضاعها لفيوضات النصوص وعوالمها وخصوصياتها, واستطاع عبر مجموعة متجانسة من الكتب التي أصدرها في نقد الرواية والقصة أن يرسم معالم مشروع نقدي ذي رؤية منهجية واضحة وعميقة تعد بالكثير.
التشكّل النقدي للرؤية المنهجية
يفصح الناقد عادة في مقدمات مشاريعه الكتابية عن ملامح التشكّل النقدي لرؤيته المنهجية, وتفضي هذه الملامح بالقدر ذاته إلى تشكّل صورة الخطاب الذي يشغّله في إجراءاته النقدية ويشتغل عليه في تأسيس أركان الصورة النقدية للخطاب وإبراز شخصيتها.
ولا يبتعد الناقد نضال الصالح كثيراً عن سياق هذا الإجراء في طرح أنموذجه النقدي واقتراح المقولة التي يستند إليها في تقديم فروضه النقدية والسعي إلى البرهنة عليها, ففي كتابه ”تحولات الرمل: الحكائي والجمالي في القصة القصيرة في قطر“(1) ينهج نهجاً حذراً في تقديم رؤية منهجية واضحة, ويدخل في فضاء نقدي نسقي يعاين الظواهر ويستقرئ المرجعيات داخل قياسات الزمن والمكان في إطار التشكّل العام للجنس الأدبي الذي يشتغل عليه ـ قطرياً وعربياً ـ.
يؤكد في مقدمة كتابه على أن طموح دراسته هذه يتحدد بـ”استقراء المرجعيات الواقعية والخصائص الجمالية للتجربة القصصية القطرية منذ بواكيرها الأولى في مطلع عقد الستينيات إلى نهاية السنة السابعة من عقد التسعينيات. بمعنى أنها تغطي قطاعاً زمنياً يمتد على بضعة وثلاثين عاماً, هو مجمل عمر هذه التجربة التي استطاعت أن تحقق قفزات نوعية, وأن تجتاز مراحل جمالية كثيرة في وقت قصير, مستفيدة ممّا سبقها من إنجازات في المشهد القصصي العربي, ومعبرة عن تمثّل واضح في سنوات التسعينيات بخاصة لأكثر تقنيات القص حداثة وكفاءة أيضاً في إعادة إنتاجها“(2).
إذ يتحدد المنهج برؤية سوسيوجمالية ”استقراء المرجعيات الواقعية والخصائص الجمالية للتجربة القصصية القطرية“, تستند إلى المعطى الزمني المعيّن ”منذ بواكيرها الأولى مطلع عقد الستينيات إلى نهاية السنة السابعة من عقد التسعينيات“, يلحقها الناقد بأحكام قبلية تبرر الاحتفاء بها نقدياً ”استطاعت أن تحقق قفزات نوعية, وأن تجتاز مراحل جمالية كثيرة في وقت قصير“, ليس على صعيد الإنجاز الفني ـ الجمالي قياساً بما سبقها من إنجازات في المشهد القصصي العربي فحسب, بل حتى على صعيد استخدام أحدث التقانات القصصية الحداثية ”ومعبرة عن تمثّل واضح في سنوات التسعينيات بخاصة لأكثر تقنيات القص حداثة وكفاءة أيضاً في إعادة إنتاجها“.
وعلى الرغم من أن استباق نتائج التوصلات النقدية على هذا النحو لا يسمح للرؤية النقدية أن تتشكّل تشكّلاً نقدياً سليماً, إلا أن التجربة النقدية الأولى عادة ما يرافقها الحماس النقدي لتقرير النتائج التي اعتقد الناقد أنه توصّل إليها, فضلاً عن عادة الدفاع عن الأنموذج التي ترافق النقاد في المراحل الأُول من تشكّل رؤيتهم المنهجية.
في كتابه: ”نشيد الزيتون: قضية الأرض في الرواية الفلسطينية“(3) الذي كتبه عملياً قبل كتاب ”تحولات الرمل“ وتأخر نشره لأسباب يفصّلها في مقدمة الكتاب, لا يبتعد الناقد نضال الصالح كثيراً عن طريقة اشتغاله النقدي في الكتاب السابق, ويمكننا وضع الكتابين في سياق نقدي واحد أو متقارب على طريق تشكّل الرؤية المنهجية لخطابه النقدي.
يربط الصالح، وفق منظور شمولي، بين النزعة الإنسانية المتواشجة مع النزعة الفنية في مقاربة الظاهرة, عبر تحويل الفن العالي المتقدم جمالياً إلى سلاح لمحاربة القبح والقهر والاضطهاد: ”تستأثر الرواية العربية الفلسطينية بعد النكبة خاصة بموقع مميز بين مجمل النتاج الروائي العربي, ليس بسبب توجّه أكثرها إلى قضية الصراع مع مغتصبي الأرض الفلسطينية فحسب, بل بسبب كفاءتها أيضاً في إعادة إنتاج الصراع بأدوات فنية متقدمة جمالياً, وقلّما تبدو حاضرة في الرواية العربية المعنية بالصراع نفسه, على تعدد أقطار الأخيرة واختلاف اتجاهاتها الفنية وتنوع رؤاها“(4).
ولعل إشارته إلى حيازة الرواية العربية الفلسطينية الصادرة بعد النكبة على كفاءة عالية ”في إعادة إنتاج الصراع بأدوات فنية متقدمة جمالياً“ ما يشي بأهمية استقراء هذه الرواية على وفق هذه الضوابط من جهة, ويعكس من جهة ثانية منهج تقرير النتائج النقدية مسبقاً قبل البرهنة عليها من خلال الإجراءات النقدية في ميدان التطبيق.
ولا يبتعد أيضاً عن تحديد السياق التاريخي الحاضن للقضية / الظاهرة والمستوعب لآفاقها, اعتماداً على منهجية سياقية تنسب تشكّل الظواهر الفنية أحياناً إلى مرجعيات تاريخية ذات تأثير عميق في تشكّل البنية الحضارية ومستقبلها, على النحو الذي يقود الناقد إلى عدّها ذات أهمية استثنائية في توجيه الظاهرة الفنية والتأثير في شكلها ومحتواها.
ويشير الناقد نضال الصالح إلى محاولة دراسته ”تبيّن القضية / الظاهرة المشار إليها آنفاً في النتاج الروائي الفلسطيني الصادر ما بين انطلاقة الكفاح المسلّح سنة 1965 وبداية الغزو الإسرائيلي للبنان سنة 1982. وغير خاف أن هذين الحدّين الزمنيين للدراسة ليسا افتراضيين, بل ينهضان على طبيعة هذا النتاج, ومن طبيعة الحركة التي كانت تحكم مسيرته وتطوره وعلاقاته بأشكال الواقع الفلسطيني كافة: السياسية والثقافية والاجتماعية“(5).
ولعل النتاج الروائي الفلسطيني ـ موضوع الرصد والقراءة والتقويم في دراسة الصالح ـ استجاب على نحو عميق لهذين الحدثين الكبيرين على صعيدي القضية والموضوع, إلا أن الكفاءة الفنية التي يجب أن ترتقي إلى مستوى الحدث وتتحول إلى سلاح جمالي في قضية الصراع الحضاري هي ما حاولت الدراسة وسعت إلى أن تبرهن عليه وتجيب على أسئلته من خلال تشكّل الملامح المركزية للرؤية المنهجية الطامحة إلى تأسيس خطاب نقدي متميز.
يتخلى الناقد نضال الصالح في كتابه: ”النزوع الأسطوري في الرواية العربية المعاصرة“(6) عن الرؤية الما قبل ـ نصية في معاينة الظاهرة وفحص مقوماتها وبناها ومكوناتها, ليتجه إلى النصوص ذاتها ويستخلص تلك الرؤية من مشاريعها في القول ورؤاها وإشكالاتها الثقافية والجمالية, إذ ينطلق أولاً من المرجعيات الرئيسة للنزوع الأسطوري وشواغله ويبدأ بالمرجعية الثقافية في مؤثراتها الأجنبية والعربية, ثم المرجعية السياسية بأنماطها السلطوية والاستبدادية وطرح بدائلها, وأخيراً المرجعية الاجتماعية التي تفحص بنية المجتمع العربي وطرائق تشكّل وعيه الاجتماعي روائياً. ويعرج على أشكال النزوع الأسطوري وتجلياته في الحدث الأسطوري والرمز الأسطوري, فضلاً على طرائق البناء الأسطوري في حدود الشخصية والعالم الأسطوري والفضاء الأسطوري. وينتهي فنياً إلى فحص البناء الروائي للنزوع الأسطوري عبر أدوات التشكيل الأسطوري والتفاعل النصي والأداء اللغوي.
وبذلك فإن الرؤية المنهجية هنا تحيط بالظاهرة الفنية وتستوعب مدياتها وآفاقها وتشتغل نقدياً عبر جهاز المفاهيم والمصطلحات على تأسيس الخطاب, الذي يتشكّل من حال التصالح والتلاؤم الرؤيوي التام بين الرؤية المنهجية والأدوات النقدية المتمثلة بكادر علم السرد بكامل عدّته وإجراءاته وعمق نظرته.
وهو ما دفع الناقد د. عبد الله أبو هيف ـ وهو يراجع التجربة النقدية لنضال الصالح ـ إلى أن الناقد استهدى ”في كتابه بالمناهج النقدية الحديثة ولاسيما المنهج الأسطوري وعلم السرد, وظهر تمكّنه من آلياته النقدية لغة ومصطلحاً وتحليلاً تاريخياً وفنياً, واجتهد قدر الإمكان في اختيار الروايات المدروسة من مراحل زمنية متتالية ومن أقطار عربية متعددة, وحاول العناية بشؤون الهوية في النقد وشجونها وتمثيلاته في الأسطرة والنقد الأسطوري, وألمّ بأكثر المشكلات النقدية المطروحة, وتجنب إطلاق الأحكام النقدية, وهي مزية بذاتها مكثفاً تحليله إلى حد كبير“(7).
على النحو الذي يسهم في تقدم الصالح خطوة مهمة على صعيد تشكيل الرؤية المنهجية التي تقود إلى تأسيس ملامح خطاب نقدي يسعى إلى إنجازه.
تذهب الرؤية المنهجية في سبيلها إلى تشكيل الخطاب النقدي عند الناقد نضال الصالح في كتابه النقدي: ”المغامرة الثانية في الرواية العربية“(8) مذهباً أكثر وعياً لضرورات التشكيل, وأكثر حساسية للإمساك بهوية الخطاب النقدي بوصفه نصاً مضاهيا للنص السردي الذي يشتغل عليه, ويعبّر الصالح عن ذلك على نحو يكشف عن رؤيته بملامح بيّنة وواضحة بقوله: ”إن الممارسة النقدية مغامرة ثانية في حقل مغامرة أولى هي الممارسة الإبداعية, أي بوصفها نصا ثانيا على نص أول, وهي بهذا المعنى لا تدّعي استيفاءها لمجمل الخصائص المضمونية والجمالية المميزة للنصوص التي تشكل مصادرها, كما لا تدّعي امتلاكها وحدها للحقيقة النقدية, لا لأن هذه النصوص كغيرها أيضاً من الإبداع الروائي العربي تتيح غير قراءة وعبر غير منهج نقدي, بل لأنه من الزعم تماماً القول بكفاءة أي فعالية نقدية في درس مكونات النص كلها وفي دراسة كيفية تجلّيها وآليات عملها داخل هذا النص“(9).
وهي رؤية أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها تقارب الفعالية النقدية مقاربة منهجية موضوعية تخضع لما سمّاه فعل ”المغامرة الثانية“ الموازية بطبيعة الحال لمغامرة النص السردي الروائي ”المغامرة الأولى“, وتخضع لمفهوم ديمقراطية التناول وتعددية القراءة بما يعكس مرونة منهجية تنظر إلى النص السردي ـ قيد الرصد والتناول والقراءة ـ بوصفه نصاً قابلاً لأكثر من قراءة وأكثر من رؤية منهجية، وهو ما يدل على نظرة خصبة وثرية لعمق النص السردي من جهة وفاعلية نقدية متوقدة لاستجلاء هذا الخصب واستكشاف ثراء هذا العمق من جهة أخرى.
اقترب الصالح في هذا الكتاب ـ شأنه شأن كتابه السابق ”النزوع الأسطوري في الرواية العربية المعاصرة“ ـ من أفضية النصوص وطبقاتها وحيواتها الداخلية, بعيداً عن الإشكالات الخارج ـ نصية.
في الوقت الذي كان ينطلق فيه الناقد نضال الصالح من الخارج ـ نصي في كتابيه: ”تحولات الرمل“، و”نشيد الزيتون“, بدا يتلمس الخارج ـ نصي عبر عوالم الداخل ـ نصي بخصوصياتها السردية والتعبيرية والأسلوبية والسيميائية, كاشفاً بذلك عن وضوح في الرؤية المنهجية يتجه إلى سبيل صحيح وسليم نحو تشكيل الخطاب النقدي الباحث عن استقلاليته والمجتهد في خصوصيته وفرادة كينونته.
وقد وصف أبو هيف في معرض تناوله لتجربة الصالح النقدية هذا التطور حين استطاع تلمّس لجوء الناقد في كتابه: ”المغامرة الثانية في الرواية العربية“ إلى ”النقد النصي من خلال علم السرد بالدرجة الأولى وغنى تقاناته في تحليل النص الروائي, ولاسيما قضية المنظور السردي وتراكيبها وتشابكاتها مع المسرودية وملفوظيتها برمتها لتحديد التبئير الروائي وجمالياته“(10).
إذ يتجلى ذلك في أكثر نصوص الكتاب ومباحثه النقدية حيث تحققت موازنة نقدية محسوبة في تطبيقات علم السرد على النصوص الروائية, وقد اجتهد الناقد في اختيارها على النحو الذي تمثل فيه ظواهر سردية متنوعة داخل فضاء النص الروائي العربي في مغامرته النوعية الجديدة, وتستجيب في الوقت نفسه للمنطلقات النظرية التي اعتمدها الناقد أساسا لمقارباته ورؤاه النقدية.
يذهب الناقد نضال الصالح في كتابه: ”معراج النص: دراسات في السرد الروائي“(11) إلى منطقة الرؤية المنهجية التي يعتمدها في قراءته النقدية أكثر من كتبه السابقة, في الطريق إلى تشكيل أوضح لخطابه النقدي المعني بالظاهرة السردية الروائية خصوصاً.
ينفتح التوصيف المنهجي أولاً انفتاحاً شكلياً يتحدد بإحاطة الظاهرة بإطار زمني ـ تشكيلي يؤسس للرؤية ويعاين منطقة اشتغالها, إذ يصف اشتراك ”الدراسات المكونة لهذا الكتاب فيما بينها بسمات ثلاث: اشتغالها على جنس أدبي واحد, هو الرواية السورية هنا, وتوجّه معظمها إلى مكوّن أو جزئية فحسب من مكونات الخطاب الروائي وصدورها في الأغلب الأعم عن مرجعية نقدية واحدة هي السرديات“(12).
فتلتئم رؤيته المنهجية من خلال وحدة الجنس السردي المعاين والدخول قرائيا في مكوّن محدد من مكونات الخطاب الروائي وإسناد العملية النقدية إلى أدوات علم السرد.
وفي مفصل آخر من مفاصل تكريس أنموذج رؤيته المنهجية يحتكم إلى عاملي الاختيار والانتخاب النصي: ”إن ثمة عاملين أساسين يحكمان اختياري لهذا النص الروائي أو ذاك, أو لهذه التجربة أو تلك, من النصوص أو التجارب التي شكّلت متون هذه الدراسات توافر النص أو التجربة على درجة كافية من الإبداع من جهة والأداء النقدي الذي لا يعنيه من هذا الإبداع نفسه من جهة ثانية“(13).
ويراجع في الإطار ذاته مستوى التقويم النقدي المعبّر عن خصوصية الرؤية المنهجية وقدرتها على تشكيل الخطاب النقدي, فيلفت الانتباه ”إلى ما قد يبدو من أحكام قيمة بين تضاعيف هذا الكتاب لا يعني سوى النصوص والتجارب فحسب, أي بمعزل عن المؤثرات المعنيّة بما هو خارج نصي“(14).
وينتهي إلى تحديد هوية خطابه النقدي وانتمائه إلى الفضاء الجمالي الذي يتشكّل على وفق الاعتبارات الفنية الخالصة, المتزاوجة مع عمق المادة السردية وحيويتها وصلاحيتها للفن بقوله: ”إن الشاغل الأساس لهذه الدراسات هو استجلاء أبرز الحوامل الجمالية التي مكّنت هذا النص أو ذاك من العروج بمادته الحكائية الخام من كونها حكاية إلى كونها حكاية وفناً بآن“(15).
ولا يبدو عليه في كل ذلك انتماء حاسماً إلى مرجعية منهجية ذات أصول نظرية ممعنة في مركزيتها المنهجية, بل يتضح انفتاحه على فضاءات منهجية واسعة تفرضها طبيعة النصوص المنتجة وسياقات العمل النقدي عليها, وكفاءة الأدوات التي يمتلكها ويشغّلها بأقصى طاقاتها الإنتاجية.
يخضع كتابه الأخير: ”القصة القصيرة في سوريا: قص التسعينات“(16) للآليات نفسها التي اشتغلت في ”معراج النص“ ذاتها تقريباً, على النحو الذي يكرّس دفاعاً عن أنموذج نقدي يعكس رؤية متقاربة في تشكيل خطاب موحّد يعمل على نوعين سرديين, الرواية في ”معراج النص“ والقصة القصيرة في هذا الكتاب.
يضع مجموعة من الضوابط التاريخية والنصية التي يحيط بالظاهرة وتفرض نمطاً معيناً من الإجراء النقدي على أساسها, فيقارب تاريخياً مفهوم ”قص التسعينيات“ في عنوان الكتاب بقوله: ”يعدّ عقد التسعينيات أبرز تلك التجربة على غير مستوى: مجموع النتاج القصصي الذي صدر خلاله والذي يكاد يساوي ما صدر من نتاج خلال ستة عقود“(17).
ويصل حرصه على الاشتغال على الظاهرة من داخلها بما سبق وأن أصدر من كتب ظلّت وفية نقدياً لهذه الرؤية ”حرصت في ذلك كله شأن ما أنجزت من قبل في حقل النقد على مقاربة مصادري انطلاقا من تلك المصادر نفسها لا من نتائج أو أحكام سابقة“(18).
ويقترح رؤية نقدية تزاوج بين الفن والمعرفة في صياغة أنموذج العمل السردي الذي يستحق عنده النظر والفحص والمراجعة, عبر أنموذج سوسيوجمالي يمزج في خطابه النقدي بين الداخل نصي والخارج نصي, فيقول: ”إن الممارسة النقدية التي لا تنطلق من النص الإبداعي الذي تشتغل عليه, ولا تعود إليه بآن, لا تستتبع نفسها لسواها فحسب, بل تخضع النص نفسه لسرير ما هو خارج نصي أيضاً, من جهة, وبأن ما يميز الكاتب من المبدع كفاءة الثاني في تحويل الحياة إلى فن من جهة ثانية, ثم بأن الفن الذي يكتفي بتحقيق نغمة المتعة وحدها, أي بمنأى عن توأمها: المعرفة, ليس فناً من جهة ثالثة“(19).
ويردد ما سبق أن قاله بصدد احتكامه إلى أسباب معينة لاختيار مصادر الدراسة تنبع من هوية الكتاب وعنوانه, والاكتفاء بمقومات متعارف عليها في هذا التحديد من دون الدخول في تفاصيل منهجية ورؤى نظرية أكثر عمقاً وتحليلاً, ويصف ذلك بقوله: ”إن اختياري لمصادر الدراسة كان محكوماً بثلاثة حدود: توافر النصوص على قدر كاف من الإبداع, أي امتلاك كتابها لأدوات القص وتقنياته, وتعبير تلك المصادر عن الأغلب الأعم من سنوات التسعينيات, وانتماء القاصين إلى الأغلب الأعم أيضاً من الجغرافية السورية“(20).
محتوى الخطاب النقدي وتجليات نظرية السرد
انبرى الناقد نضال الصالح لتأسيس خطاب نقدي منشغل بالسرديات وتطبيقاتها على النصوص, إذ تتجلى النظرية السردية في نماذجها الإجرائية في معظم كتبه, ساعياً في ذلك إلى جعلها محتوى عملياً للخطاب يتجه إلى معاينة النصوص والظواهر على وفق سياسة تتمركز داخل رؤية منهجية محددة.
يستعرض في كتابه: ”تحولات الرمل“ جملة محتويات تشغل خطابه النقدي وتستجيب على أنحاء مختلفة ومتباينة في حظوظها المعرفية لتجليات نظرية السرد, ثمة إشارة إلى ”طغيان الصوت النسوي في هذه التجربة منذ بواكيرها الأولى في مطلع الستينيات إلى النصف الأول من التسعينيات“(21), هذا في مجال القصة القصيرة, والأمر ذاته ينطبق على المجال الروائي أيضاً، إذ لاحظ الناقد نضال الصالح تجلّي ”الظاهرة على نحو أشدّ وضوحاً وإثارة للأسئلة بآن في حقل الكتابة الروائية, إذ لا تزال الشقيقتان دلال وشعاع خليفة تستأثران بالكتابة في هذا المجال, ولم يقدّم المشهد الثقافي القطري إلى الآن على الأقل كاتباً روائيا واحداً“(22).
ووجد الصالح أن الأمر لا يتعلق بالكم فحسب بل بالنوع أيضاً, وأطلق حكماً يدخل في باب الحماسة والدفاع عن الأنموذج المتبنّى في الدراسة, لكنه في الأحوال كافة يعبّر عن القيمة الإبداعية للسرد النسوي القطري إبان فترة الدراسة بقوله: ”إن بعض النتاج القصصي النسوي في قطر يمتلك من الإمكانات الجمالية ما يجعله متفوقاً على كثير من نتاج قاصات عربيات في مواقع مختلفة من المشهد الثقافي العربي, لقي من الحفاوة والتصفيق والتهليل ما ليس جديراً به“(23).
وشكّلت فصول الكتاب بمنهجيتها الواضحة محتوى مناسباً للخطاب النقدي, إذ قارب في الفصل الأول بواكير التجربة القصصية ولاسيما تجارب الستينيات والسبعينيات عبر مداخل سوسيولوجية وسوسيوثقافية, وتابع في الفصل الثاني شواغل القص في تجارب الثمانينيات والتسعينيات عبر المداخل ذاتها, وعرج في الفصل الثالث على السمات الفنية للقصة القصيرة من خلال معالجات سردية فحصت تقانات القص ومفاهيمه وأنماطه ولغته.
وأظهر اهتماماً ببليوغرافياً بالنتاج السردي ـ موضوع الرصد ـ أشفعه بمعجم للكتاب والكاتبات في قطر, وهو جهد دأب عليه الصالح في معظم كتبه, وينطوي في تقديرنا على أهمية بالغة.
ويمكن النظر إلى كتابه: ”نشيد الزيتون“ ضمن الإطار ذاته بالرغم من انشغال الكتاب كثيراً بالبعد الخارج نصي الذي ما ينفك يتلاحم مع الأدب الفلسطيني عموماً.
إلا أن الصالح في الفصل الرابع منه خاصة انحاز إلى خطابه النقدي واجتهد في استظهار أنموذج خطابه النقدي وإبراز تجليات السرد على نحو عملي في الرؤية والمعالجة, وهو يشير إلى ذلك بقوله: ”خصصت الفصل الرابع لدراسة الشكل الفني فيما سأصطلح عليه في تضاعيف الدراسة بـ( رواية الأرض الفلسطينية), وقد قسمت هذا الفصل إلى ثلاثة أقسام أو موضوعات رأيت أنها تشكّل التجربة الفنية لهذه الرواية. تناولت في الفصل الأول وسائل التعبير الفني التي لجأ إليها الروائيون لصياغة محكيات نصوصهم, ولاسيما ما يتصل بقضية الأرض, ودرست في القسمين الثاني والثالث الجماليات الخاصة التي ميزت تلك النصوص من الرواية العربية, والتي تتمثل في عنصرين رئيسين هما المكان والرمز. ثم ألحقت هذه الفصول بثبت بالرواية الفلسطينية حتى عام 1982, وبمعجم للروائيين الفلسطينيين الذي شكلت أعمالهم مصادر الدراسة“(24).
وتكشف تطبيقاته عن وعي بالظاهرة ومعرفة بإشكالاتها بالرغم من أنها تتجه إلى التركيز على عناصر محددة تتسيّد السرد الروائي, لكن ثمة عناصر أخرى أقل حضوراً إلا أنها لا تختلف تأثيراً في تشكيل الظاهرة السردية التي تتطلب الفحص والمعالجة.
لكنه في كتابه: ”النزوع الأسطوري في الرواية العربية“ يتجه، ومنذ عتبة عنوان الكتاب، إلى التمركز حول ظاهرة النزوع الأسطوري في مساحة السرد الروائي العربي المعاصر, وينشغل انشغالاً يكاد يكون كلياً بتجليات مفهوم النزوع وارتباطه بظاهرة الأسطورة بأنماطها التقليدية المعروفة, عبر منهجية نقدية تحيط بسياسات التوظيف والترميز وتنأى عن قابلية استنطاق المؤثرات الأسطورية في بنية التشكيل السردي للسرد الروائي وعمق تأثيرها في أسطرة المسرود وسردنة الأسطورة.
في كتابه: ”المغامرة الثانية في الرواية العربية“ توقف بمفهوم المغامرة عند حدود كون المغامرة نصاً نقدياً يعيد إنتاج نص روائي, وعلى أهمية هذه الرؤية في الإسهام الحيوي والنوعي في بناء الخطاب النقدي باستلهام نظرية السرد, إلا أن مفهوم المغامرة ذاته لم يحظ بتعميق مفهومي واصطلاحي يتشاكل مع نظرية السرد وينعكس على قيمة الخطاب النقدي وجدواه, وربما فضّل ترك ذلك يتجلى عبر كثافة الإجراء النقدي وفضائه التطبيقي الذي يتألق في بعض الأحيان إلى حدود إضاءة الظاهرة مفهومياً, لكنه في أحيان أخرى يتحرك سريعاً ولا يمنح فرصة كافية لتأخذ الظاهرة حريتها في سياق القراءة باشتراطاتها الميدانية في أفضية النصوص وعوالمها وطبقاتها.
يبدو الأمر في كتاب: ”معراج النص“ أكثر حرية وحيوية ورغبة في معالجة ظواهر مفهومية واصطلاحية انشغلت بها نظرية السرد, إذ قارب الصالح مفهوم التبئير في السرديات من خلال وعي الخطاب النقدي العربي بالمفهوم, وحشد لذلك ما أمكن من المدونة النقدية السردية في هذا المجال, وقدّم عرضاً مهماً لتشكيل المفهوم وتطوره ومرجعياته وطرائق عمله في الميدان السردي, وراجع ضمن الأفق ذاته مفهوم تقانة الاسترجاع في السرد الروائي عبر مدخل نظري يقترن بمعالجة تطبيقية ملائمة.
وظل وفياً في مقاربات الكتاب الأخرى للوعي النظري الابتدائي المؤسس للخطاب وهو يتناول ”فكر التنوير في الرواية العربية“، و”الفضاء الحلبي في عالم العجيلي الروائي“, وفي معالجات الرواية الأخرى التي كشفت عن ملامح تشكّل خطاب نقدي يتداخل مع نظرية السرد بوعي كاف لتشغيل المفاهيم والمصطلحات على نحو يسهم إيجابياً في معاينة الظاهرة ومقاربة تشكيلاتها وآفاقها ورؤاها.
لا يضيف كتابه الأخير: ”القصة القصيرة في سوريا“ جديداً على هذا الصعيد بالرغم من أنه يسعى منهجياً إلى تعزيز ما تحقق من وضوح في الخطاب النقدي سابقا,