|
شهد عقد التسعينيات، وعلى نحو يكاد يكون خاصّاً بهذا الجزء وحده من الجغرافية العربية، سورية، ما يمكن وصفه بحمّى الـ”ق. ق. ج“، أو: ”القصّة القصيرة جداً“، التي تناهبت الأصوات الجديدة خاصّة، ولاسيّما الذين لم يكن لديهم أيّ رصيد معرفيّ كافٍ بالجنس / الجذر، أو بسواه من الأجناس الأدبية الأخرى من جهة، وبمعنى الإبداع ووظائفه من جهة ثانية.
وقد توزّعت أعراض تلك الحمّى، وبنسب متفاوتة وعوامل مختلفة ومضادات فنّية متباينة، بين شكلين: فبينما اختار عددٌ من أولئك بثّ أجزاء من تجاربهم في هذا المجال بين تضاعيف مجموعاتهم القصصية، كما فعل د. محمد الحاج صالح في مجموعته: ”يوم في حياة مجنون“، وفراس سليمان محمّد في مجموعته: ”الأشعث والرجل الضئيل“، وعدنان محمّد في: ”حقل من ريح“، ونجاح إبراهيم في: ”حوار الصمت“، وجمانة طه في: ”عندما تتكلّم الأبواب“، اختار آخرون إنجاز مجموعة أو أكثر تُخلص نصوصها كافّة لذلك الشكل وحده، كما فعل عزّت السيّد أحمد في مجموعته: ”الموت بدون تعليق“، وأحمد جاسم الحسين في مجموعة: ”همهمات ذاكرة“، ونجيب كيّالي في: ”ميّت لا يموت“، وضياء قصبجي في مجموعتيها: ”إيحاءات“، و”إيحاءات جديدة“، وهيمى المفتي في: ”ومضات“.
وبلغت الحمّى ذروة تورّمها أو تعبيرها عن نفسها في الملتقى الأوّل الذي أقيم صيف 2000 في المركز الثقافي الروسي بدمشق، وشارك فيه، على مدار ستة أيام، اثنان وأربعون ”قاصاً“، وتخللته أربع ندوات نقدية!! وعلى الرغم من إجماع الأغلب الأعمّ ممّن تابع ذلك الملتقى، كتّاباً ونقّاداً وإعلاميين، على التواضع الفنّي لمعظم النصوص المشاركة(1)، فإنّ ذلك لم يدفع أحداً إلى مساءلة الظاهرة، بل سرعان ما أقيم ملتقى ثان، في المركز نفسه، صيف 2001، لم يكن أحسن حالاً من سابقه، ليس لأنّ معظم المشاركين فيه كانوا ”من أصحاب التجارب المتواضعة“(2)
فحسب، بل لأنّ الظاهرة نفسها لم تستطع، على المستوى الإبداعيّ، أن تقدم طوال عام شيئاً مهماً، يمكن البناء عليه، كما يمكن عدّه مسوّغاً للصخب الإعلامي الذي رافقها(3)، ثمّ ثالث، صيف 2002، فرابع، صيف 2003، شارك فيه خمسة وثلاثون ”قاصاً“، وقُدّمت فيه قراءات من تجارب غير عربية!!
ولم تجد تلك الملتقيات حاضنة لها خارج ذلك المركز إلا في صيف 2003، أي مع ”الملتقى الأوّل للقصة القصيرة جداً“ في المركز الثقافي العربيّ في حلب. ولئن كان من اللافت للنظر ذلك العدد المثير من الكتّاب، والكاتبات بالطبع، الذين شاركوا في تلك الملتقيات، فقد كان من اللافت للنظر أكثر، وباستثناءات قليلة جداً، أنّ الأغلب الأعم من أولئك لم يكن لهم أيّ نتاج قصصي قبل تلك الملتقيات، وأنّ الأغلب الأعمّ منهم أيضاً ”تسلّل“ إلى ”الإبداع“ خالي اليدين من أيّ تجربة في أجناس أدبية أخرى غير القصّة القصيرة، أو أيّ إشارة دالّة على شرعية انتماء ما ”أنجز“، في القصّة وسواها، إلى حقل الإبداع. وعلى حين قدّم عددٌ من أولئك، وسواهم ممّن ظهر في التسعينيات، نصوصاً توفّر لنفسها شروط انتمائها إلى الأدب قبل انتمائها إلى ذلك الشكل من أشكال القصّ، بدت نصوص آخرين أنأى ما تكون عن الفنّ، أي: ليس قصّة، وليس خاطرة، أو شيئاً آخر سواهما.
لم يكن عدد كتّاب ”القصّة القصيرة جداً“، من أبناء سورية، قبل بداية التسعينيات، يتجاوز أصابع اليدين(4)، ثمّ ما لبث أن تجاوز في نهاية التسعينيات أكثر من مئة ”قاصّ“ و”قاصّة“، مارس جلّهم كتابة ذلك الشكل تحت وطأة الرغبة في الظهور فحسب، وليس تحت إلحاح ما هو فكريّ / فنّي.
ومهما يكن صحيحاً أنّ ثمّة تجارب تنتمي إلى مجال الظاهرة في أجزاء مختلفة من الجغرافية العربية، أو من الجغرافية الإنسانية عامة، فإنّ الظاهرة نفسها تبدو سورية فحسب، كما تبدو ظاهرة صوتية وليست إبداعية منبثقة من الشروط التاريخية للواقع، ومن تحوّلات هذا الأخير ومثيراته على أكثر من مستوى.
وإذا كان ممّا ميّز الظاهرة طوال ذلك العقد اعتباطية معظم التجارب التي تنتمي إلى مجالها وتواضعها الفنّي أيضاً، فإنّ من أبرز ما يؤكّد فعاليات الارتجال المهيمنة على الأغلب الأعمّ منها عدم استقرار الكتّاب أنفسهم على علامة لغوية تحدّد الجنس الأدبيّ الذي تنتمي إليه، أي ما اصطلح ”ج. جينيت“ عليه بتعبير: ”العقد النصّي الجمعيّ“(5)، أو ما سمّاه ”فيليب لوجون“: ”الميثاق النوعي“(6)، فعلى حين اختار بعضهم تعبير ”قصص قصيرة جداً“، كما لدى محمد الحاج صالح في مجموعته: ”يوم في حياة مجنون“، وعزت السيد أحمد في: ”الموت بدون تعليق“، وعدنان محمّد في: ”حقل من ريح“، ونور الدين الهاشمي في: ”قصّة انتحار معلن“، اختارت جمانة طه تعبير ”لوحات قصصية“ في مجموعتها: ”عندما تتكلّم الأبواب“، بينما اختارت انتصار بعلة وأيمن الحسن تعبير ”مقطوعات قصيرة“ في: ”العودة ظافراً“، واختار فريق رابع تعبير ”ومضات“ كما فعلت هيمى المفتي في مجموعتها: ”ومضات“، وخامس تعبير ”بورتريهات“ كما في مجموعة محمد منصور: ”سيرة العشّاق“، واكتفى إبراهيم خريط بتعبير ”قصص“ للنصوص الثمانية والعشرين القصيرة جداً التي شكّلت مجموعته: ”حكايات ساخرة“، وكذا فعلت فوزية جمعة المرعي في مجموعتها: ”بحيرة الشمع“، وابتسام شاكوش في مجموعاتها الأربع، وصدّرت نجاح إبراهيم النصوص الأربعة في مجموعتها: ”حوار الصمت“ بتعبير ”قصص قصيرة“، ولم تحاول أميّة الجاسم العبيد تجنيس النصوص الحكائية الستة القصيرة جداً التي تضمنتها مجموعتها: ”عسلها مرّ“.
وعلى الرغم من محاولات التأصيل والتنظير، التي أبداها عدد من كتّابها وبعض المشتغلين بالنقد في الراهن الثقافي السوري، وعبر ملتقياتها الخمسة فحسب، فإنّ مجمل تلك المحاولات لم يستطع، إلى الآن على الأقلّ، التأسيس لتقاليد جمالية تجعل منها جنساً أدبياً مستقلاً بنفسه من جهة، ومميّزاً من الجذر المنبثق منه أو من سواه من أشكال السرد الفنّي الأخرى التي يحفل بها الموروث الأدبي العربيّ من جهة ثانية. كما لم يستطع، بآن، إشاعة الظاهرة بوصفها فعالية إبداعية تمتلك في داخلها، وليس من خارجها، ما يعلّلها، أو ما يؤهلها للبقاء. وليس أدلّ على ذلك من أنّ مجمل كتّاب القصّة الذين شكّل نتاجهم علامات في تجربة القصّ السورية، حتى ممّن مارس كتابة ذلك الشكل، نأى بنفسه وإبداعه عن ضجيج الظاهرة، وأنّ الأغلب الأعمّ من الكتّاب الذين شاركوا في ذلك الضجيج أو انخرطوا فيه هم ممّن ينتمون إلى الأصوات الجديدة الذين لمّا يزل كثير منهم بعدُ يتلمّس مواقع خطواته في دروب الإبداع.
تحاول هذه الدراسة تبيّن تجلّيات الظاهرة في النتاج القصصي السوري الصادر في التسعينيات، وتحدّد مصادرها بالمجموعات القصصية وحدها، وإذا كان من أسباب نأيها عن النتاج المبعثر في الدوريات أنه نتاج قيد التكوّن، فإنّ من دوافع إنتاجها غلبة التنظير على معظم الدراسات والمراجعات التي نشأت حولها، وإنشائية معظمها أيضاً، وقبل ذلك تفكيك الظاهرة من داخلها، ليس رغبة في نفيها كما قد يتقوّلن أحد، بل في مقاربتها على نحو يخلص للحقيقة الإبداعية قبل إخلاصه لشيء آخر سوى تلك الحقيقة نفسها.
تجلّيات الظاهرة:
تُعدّ مجموعة د. محمد الحاج صالح: ”يوم في حياة مجنون“(7)
أولى المجموعات القصصية السورية الصادرة في عقد التسعينيات التي تتصدّى لذلك الشكل من أشكال القصّ، وعلى استحياء واضح ودالّ بآن على رغبة القاصّ بالتجريب فحسب. فالنصوص القصيرة جداً فيها، التي تصدرتها علامة لغوية واحدة: ”قصص قصيرة جداً“، لم تتجاوز الثلاثة من جهة، وتمتلك في داخلها ما يعلّلها نسبياً من جهة ثانية. ولعلّ تلك السمة التي ميزتها، أي: الرغبة في التجريب، هي ما حرّرها من لوثة الأوهام التي اجتاحت معظم التجارب اللاحقة لها، ولعلّها أيضاً ما يرغم الممارسة النقدية على تجنّب مقاربتها بوصفها فعالية ناجزة. وعامة، فإنّ النصوص الثلاثة معاً، التي يستقلّ كلّ منها بعلامة لغوية خاصة به، تبدو مشروعات في القصّ أكثر منها قصّاً، فالقاص، في كلّ منها، يختزل مكوّنات القصّ إلى ما هو مجهريّ منها فحسب، ويكتفي بما يضيء اللحظة المأزومة لشخصيتة الحكائية، وعلى نحو يضع الجملة القصصية على تخوم المعنى وليس داخل المعنى نفسه. وإذا كان ثمّة ما يميز تلك النصوص فهو تنشيطها مخيّلة القارئ لاستجلاء مقاصد القصّ من جهة، وانفتاحها على مستويات مختلفة من التأويل من جهة ثانية، ومن أمثلة ذلك النصّ الأول، ”النوم“، التالي: ”انطفأت الأنوار في الشوارع، وغفت المدينة. أشرعت الحوانيت أبوابها ودخل إليها اللصوص ووقف العسس خارج الأبواب. لم أستطع النوم تلك الليلة، لذا فقد شهد عليّ العسس واللصوص، وقالوا إنني خالفت الأوامر، وساقوني إلى السجن كي أتعلّم النوم في الأوقات المحدّدة“.
ومع أنّ النصوص الحكائية القصيرة جداً في مجموعتي القاصّ د. محمد إبراهيم الحاج صالح: ”قمر على بابل“، و”دفقة أخيرة“(8)، لا تختلف كثيراً عن سابقاتها في مجموعة د. محمد الحاج صالح: ”يوم في حياة مجنون“، إلا أنها توفّر لنفسها، أحياناً، ما يجعلها لصيقة بفنّ القصّة، بل بالفنّ عامة. وممّا يمنحها تلك السمة كفاءة القاصّ الواضحة في بناء جملة سردية تستوفي الأغلب الأعمّ من جماليات السرد القصصي، وبثّه، على نحو غير مباشر، إشارات إلى المسكوت عنه في النصّ، وقبل ذلك كلّه إطلاقه النصوص من أسر التجنيس الضيّق، وتخليصه لها من معظم شوائب التجارب التي ادّعت انتماءها إلى مجال ”القصّة القصيرة جداً“. وسأمثّل لذلك بنصّ ”حرفة الله“ من مجموعة: ”دفقة أخيرة“: ”في مساومة بيع وشراء التقى ثلاثة، بدويّ وفلاح وحضريّ، وبعدما أنهوا معاملاتهم، شتّ بهم الحديث. قال البدوي: صنع الله للأرض مهاداً كبيراً من وبر الإبل ثمّ أرساها عليه. قال الفلاح: لا، بل دافَ الله جَبْلَةً من التبن والتراب الحرّ وخمّرها ثمّ صنع لبناً كثيراً، وفرشه، وأسند الأرض عليه. قال الحضريّ: هذا كلام جهلة، الأرض ركزها الله على جبال من أحجار كريمة وسبائك من ذهب وفضة صنعها بيديه“(9).
وعلى الرغم من تنبّه عزّت السيّد أحمد، في تقديمه لمجموعته: ”الموت بدون تعليق“(10)، إلى أنّه ”ليس من المهمّ أن تسمّى هذه القصص قصصاً، هبْها مواقف، تخوّفات، أفكاراً، خواطر، حوادث، هواجس“، فإنّه لم يعلّل اختياره لذلك الشكل الذي يمكن عدّ مجموعته تلك من خلاله من بواكير المجموعات التي تُخلص نصوصها كافّة لذلك الشكل وحده من أشكال القصّ، أي: ”القصّة القصيرة جداً“.
ضمّت المجموعة ثمانية عشر نصّاً حكائياً قصيراً، يشكّل الموت هاجساً مركزياً في مجملها، والذي تجد الشخصيات نفسها مسوقة إليه بإرادة خفيّة لا يمكن تفسيرها. ومن أمثلة ذلك نصّ ”لولا ذهب“ الذي يحكي قصّة مجنّد ما إن كاد يجلس بين زملائه في المهجع بعد عودته من إجازته، حتى رجا قائده بأن يأذن له بالذهاب إلى البيت، وحين لم يلبّ القائد رغبته تلك طلب إلى زملائه قائلاً: ”سأذهب إلى البيت عدّة ساعات فقط. إذا سأل أحدٌ عنّي فقولوا له: هنا، أو سيعود بعد قليل“، وبعد أن أبدى أبوه استغراباً من عودته طلب إليه أن يتابع إعداد الشاي الذي كان قد بدأه، وما إن دخل إلى المطبخ، حتى بوغت ”بالنار مندلعة من الأسطوانة. همّ أن يقفلها ولكنّه لم يتمكّن من ذلك لأنها انفجرت قبل أن تمسّ مفتاحَها يدُه، فتطايرت أشلاؤه في غرفة المطبخ“، ونصّ ”لولا بقي“ الذي يحكي قصة شاب كان قد اتفق مع زملائه على القيام برحلة، وحين جاء زملاؤه إلى بيته رفضت أمه مرافقته لهم معلّلة ذلك بحاجتها إليه في بعض الأعمال، فاستسلم الشاب لإرادة أمّه، وعاد إلى غرفته وتابع نومه، وفي صباح اليوم التالي نهضت الأم على صوت الهاتف، وإذ بأحد أقربائها يقول لها: ”احمدي الله على أنّ ابنك لم يذهب إلى الرحلة“، وأضاف إنّ الحافلة تدهورت على الطريق. وما إن أرادت أن تعبّر له عن سعادتها بنجاته ودخلت إلى غرفته لتوقظه ولتهنئته بسلامته، حتى أطلقت ولاويلها في أرجاء المكان: ”نادته من عند الباب فلم يستيقظ. اقتربت منه منادية فلم يردّ. أمسكت يده وشدّتها فلم يبدِ أيّ ردّة فعل. هزّته فلم يتجاوب..“. ولا يمكن عدّ مجمل النصوص تلك قصصاً قصيرة جداً، ليس لأنها لا تحرّر نفسها من وطأة الحوافز الحرّة فحسب، بل لأنها أيضاً لا تفلت من قبضة الحكاية بمعناها المستقرّ في الوعي الجمعيّ من جهة، ولا تعيد إنتاج موادها الخام على نحو كاف فنياً من جهة ثانية.
وكما تمثّل تلك المجموعة واحدة من بواكير المجموعات التي تخلص نصوصها كافة لذلك الشكل تنتمي مجموعة ضياء قصبجي: ”إيحاءات“(11) إلى السمة نفسها، وكما تترجّح معظم التجارب الذي تنتمي إلى مجاله بين أكثر من مستوى فني تبدو النصوص الخمسة والأربعين التي تكوّنها على النحو نفسه. وممّا ينتمي إلى السمات الغالبة على معظم تجارب ”القصة القصيرة جداً“ في سورية النصوص ذوات الأرقام:
6 - 9 - 11 - 15 - 16 - 17
.. وإلى حد تبدو تلك النصوص معه، وسواها، ألصق بفنّ الخاطرة منها بفنّ القصّة، أو ”أقرب إلى الموعظة / الحكمة / النصيحة..“(12) أحياناً، ولاسيّما ما يتصل بخواتيم النصوص التي تنأى بها أحياناً أيضاً عن الفنّ. ولعلّ أكثر نصوص المجموعة اكتمالاً النصّ السادس والعشرون، الذي لا يستمدّ سمته تلك من رهافة الأثر الذي يتركه في المتلقّي فحسب، بل من كفاءة القاصة الواضحة في تشكيلها الجمالي له أيضاً: ”اتخذت مكاني، ثمّ أطلق القطار صفيره، وانزلقت عجلاته فوق سكّته المألوفة.. حين أغمضت عينيّ، بدأت صور الذكريات تترى واحدة بعد الأخرى، ولم تنس ذاكرتي أن تعرض لي كلّ ما تختزنه في جعبتها الملأى من تنقّلات في القطار: حلب - اللاذقية. حلب - دمشق. استنبول - صوفيا - القاهرة - أسوان. صوفيا - بوخارست.. أحسست بغبطة، وشعرت أنني أمارس حرّية مطلقة.. لكنّ خيطاً قاتماً تسلّل إلى نسيج السعادة فمزّقه، وإحساساً بألم دفين جعلني أقول برجاء: ربّاه، متى تضيف إلى ذاكرتي رحلة جديدة، فأذكر: حلب - القدس؟“.
وتثير مقدّمة عبد القادر عبد اللي لمجموعة نجيب كيّالي: ”ميّت لا يموت“(13)، التي تضمّ اثنين وثمانين نصّاً حكائياً قصيراً جداً، والتي توحدها علامة فرعية للمجموعة، أي: ”قصص قصيرة جداً“، ويستقلّ كلّ منها بعلامة خاصة، انتباه القارئ إلى معنى الممارسة النقدية التي يصدر عبد اللي عنها في مقاربته لتجربة القاصّ في تلك المجموعة، أعني إشارته إلى أنّ التجربة تواجه تجربة ”الهمبرغر“ بالسلاح نفسه، أي: ”الاختزال“. ولئن كان ممّا ليس من شواغل هذه الدراسة تفكيك تلك المقدّمة، فإنّه ممّا لا يمكن التسليم به أنّنا ”اليوم بحاجة إلى ما يمكن تناوله بدقيقة أو دقيقتين“ استجابة لإيقاع العصر، ليس لأنّ الكثير ممّا يتضمّنه هذا الإيقاع في داخله يسلب المجتمعات المستتبَعة هوياتها المميزة لها فحسب، بل لأنّ تلك الاستجابة نفسها تتطلّب وعياً كافياً بمرجعيّات الاستتباع ودوافعه أيضاً.
النصوص كافة في المجموعة قصص قصيرة بالمعنى الدقيق للجنس القصصي، وعنصر القصر المميز لها لا يسلبها شيئاً من مكوّنات القصّ فيها، ولاسيّما الأحداث والشخصيات التي تمثّل حوامل أساسية في السرد عامة. ويمكن عدّ تلك النصوص، معظمها على نحو أدقّ، نموذجاً للتجارب المتقدّمة فنّياً في حقل ”القصة القصيرة جداً“، فتأثيرها في القارئ لا ينتهي بانتهاء فعالية القراءة بل يمتدّ إلى ما بعدها بسبب تملّكها لموضوعاتها وصوغها لمقاصدها على نحو فنّي دالّ، وبسبب إضمارها لتلك المقاصد وتثميرها فعاليات التأويل في خواتيمها خاصة. فما ينتهي به نصّ مثل ”أبي“، أي: ”حين خرجنا مشى (يقصد السارد والده) منتصباً، وكأنه عاد عشر سنوات إلى الوراء“ يتجاوز كونه لحظة تنوير في النصّ إلى جعل هذا النصّ نفسه نصاً مفتوحاً يحرّض القارئ على اكتشاف المضمر من المحكي القصصي، كما يحرّضه بآن على بذل ”جهد تعاضدي“، بتعبير ”أمبرتو إيكو“، لبلوغ ذلك المضمر، أو لملء فراغات ”ما لم يُقل“ و”ما قيل“ بتعبير ”إيكو“ أيضاً(14).
وممّا يمكن عدّه مثالاً للنصوص عامّة نصّ ”أسطورة“: ”يُحكى أنّ الناس في قديم القديم لم يكونوا يعرفون القبلة، وكان الرجل إذا أراد أن يغازل زوجته قرصها قرصة خشنة، فتشعر بألم ممزوج باللذة.. ظلّ الحال كذلك إلى أن تزوّج أحد أحفاد آدم امرأة جميلة، فولدت له طفلاً مثل القمر، وعندما بلغ الطفل سبعة أشهر ازداد جمالاً على جمال، وذات مرة غاب أبوه أياماً عن البيت في رحلة صيد، وحينما عاد رآه في حضن أمه، فسحره، وكأنه لم يره من قبل. كان خدّه بلورياً يشفّ عن وردة حمراء، وله سنان صغيرتان نابتتان في مقدّمة فمه، كأنهما حبّتان من البَرَد! كاغى الطفل لأبيه، وكأنه يحادثه، حاول الأب بالكلام أن يردّ على الصبي، فلم يفهم الصبي كلامه! مدّ يده ليقرصه كما يفعل مع أمّه، فتراجعت أصابعه مشفقة على خدّه. فجأة وجد نفسه يقرّب فمه من الخدّ، ويطلق فوقه زقزقة لطيفة، سُمّيت بالقُبلة. أحبّ الناس القبلة، وصار الآباء يستعملونها مع أبنائهم، والرجال مع زوجاتهم، والأصدقاء مع أصدقائهم“.
وثمّة في مجموعة فراس سليمان محمّد: ”الأشعث الرجل الضيئل“(15)
نص قصصي قصير جداً بعنوان: ”الغرفة“، يبدو نموذجاً جهيراً للظاهرة / الحمّى التي اجتاحت أصوات التسعينيات. وعلى الرغم من أنّ القاص لم يمنح لنصّه علامة لغوية تحدّد الشكل القصصي الذي ينتمي إليه، فإنّ النصّ نفسه يقدّم مثالاً لغلبة النماذج المتواضعة فنياً على النتاج الذي ينتمي إلى الظاهرة، ليس لأنّه لا يترك أيّ أثر في القارئ فحسب، بل لأنّ المفارقة التي ينتهي بها والتي تنتمي إلى ما يُصطلح عليه بالعجائبي، تتسم بافتعالها من جهة، وبكونها ملصقاً خارجياً فيه من جهة ثانية: ”منذ زمن بعيد لم يخرج من غرفته، لا يعرف بالضبط من أين أتت هذه الرغبة العميقة في أن ينزل ليرى الناس والحياة. هكذا وجد نفسه بين أناس يموتون. يضحكون. يشحذون، مسدسات على الخصور، نهود تتدلى من الشرفات. أطفال حفاة يركضون وراء أمهاتهم. تلمّس رأسه، كان بحجم قارة، رجع بيأس. فتح باب غرفته ببطء، أزاح اللحاف كي ينام. وجد جثّة. أزاحها ونام. نام ولكن، أيقظته رائحة الجثة. حملها وغسلها جيداً، عاد لينام، وعادت رائحة الجثة لتصرخ. لم يفكر كأبطال القصص عادة. تواً دخل الجثة ونام، وحلم بالموت كرجل يحلم بامرأة“.
وعلى الرغم من اكتفاء نجاح إبراهيم بعلامة ”قصص قصيرة“ للنصوص الحكائية الأربعة القصيرة جداً في مجموعتها: ”حوار الصمت“(16)، وعلى الرغم أيضاً من أنّ تلك النصوص كافة تطلق نفسها في أمداء غنائية شاسعة تبدو الجملة القصصية معها ومن خلالها مترعة بإيقاعاتها الداخلية المميّزة وبشاعريتها بآن، فإنّها لا تبدي تمرّداً كافياً على أغلال التجارب القصصية التي تنتمي إلى مجالها، ولاسيما ضآلة الأثر الذي تتركه في القارئ الذي ما إن يكاد يرتفع من أرض الواقع إلى فضاء التخييل، حتى تعود به خواتيم القصّ غير المعلّلة جمالياً إلى الأول، ومن أمثلة ذلك النصّ الرابع، ”محطّة مسائية“، التالي: ”جلستْ متكوّرة بعد أن عبّت سلافة الكأس، تحلم بلحظة المجيء. والمساء في الخريف حلمٌ تنتظر اشتعاله في النبض والذاكرة. منتشية همستْ: - ما أروع المساء، وما أروع المساء فيك!! يتهادى صوت فيروز، يلتصق بجلدها، بمسامها، يهدر بخشوع في داخلها (كيفك إنتَ) تردّد خلف الصوت مع هزّة بسيطة من الرأس: - أجل كيفك إنت!! ويتلوّن شلال الهمس، ويهرق كلّ الأشواق على العنق. تتابع: - وجهك الذي أتعبته المسافات خبأته بين شعري. وراح بدوره ينضح كلّ العذابات. عادت بهمسها الرقيق والأنامل تمدّ مساماته بوحاً: - إي كيفك إنتَ!؟“.
وتجهر النصوص الثلاثة والخمسون القصيرة جداً في مجموعة أحمد جاسم الحسين: ”همهمات ذاكرة“(17) بالأغلب الأعمّ من السمات المميّزة لتجلّيات الظاهرة في عقد التسعينيات، ولاسيّما غلبة النماذج المصابة بمرض نقص المناعة الفنّية على النماذج المكتفية بما يجعل منها فنّاً قبل أيّ من اعتبارات الشكل الذي تنتمي إليه، وعلى نحو دالّ على صواب ما انتهى إليه أحد المتابعين للملتقى الأول للقصّة القصيرة جداً، أي قوله: إنّ ”معظم الذين دافعوا عن (ق.ق.ج) بشراسة.. قدّموا قصصاً ليست ناجحة فيها الكثير من الاستسهال“(18). فمعظم تلك النصوص أشبه ما يكون بأشباح محكيّات، إذ ما إن يصل القارئ إلى نقطة النهاية من كلّ منها، حتى يجد نفسه محاصراً بالخواء، لكأنّ ما مرّ به رماد قصّ وليس قصّاً، أو سراب فنّ وليس فنّاً.
ومن أمثلة ذلك نصّ ”مغامر“ التالي: ”عنّ على بال الحذاء أن يغيّر مكانه، فطار إلى رؤوس الناس. وجدها محشوّة بالتفاهة والقمل. عاد إلى قواعده سالماً“.
ونصّ ”بوح“: ”في حديقة تشرين التي تمتد من ساحة الأمويين إلى قصر تشرين، جلسنا على مقعد خشبي قديم، كانت الأشجار كثيرة، والبشر قليلون، والأفق ممتد، وقاسيون شامخ، بدأتُ بالبوح لها وهو ما أحاوله منذ سنتين في حديقة كلّية الآداب الضيّقة“.
ونصّ ”سؤال“: ”سأل الحرامي الخفّاش عن سبب محبّته للظلام، ابتسم الخفّاش وقال: اسأل روحك. بحث الحرامي عن روحه فلم يجدها! وما زال الخفّاش ينتظر!“. ونصّ ”سبّاح“: ”كلّ صيف، يسافر خصيصاً للسباحة في نهر الفرات، كان يسبح فرأى سيارة شرطة، استعاذ بالله، نادوه.. فخرج ثمّ اقتادوه، سألهم: ماذا فعلت؟ ردّ عليه رئيس الدورية: كيف تسبح في النهر دون موافقة السلطات المختصة أتظنّ أنّ بلادنا سايبة؟ النظام نظام!“.
ونصّ ”طمّاع“: ”سأل الضابط التركي ابن المعتز العبّاسي: أصحيح أنك تطمع في الخلافة! - سيّدي، أنا شاعر ومثقّف! قاطعه: طزّ! - سيّدي، أنا لا أحبّ السلطة! وشِعري يشهد بذلك. هزّ الضابط رأسه، وقال خذوه..!“.
وسوى ذلك كثير ممّا يبدو فقيراً بظلال الإبداع، وخالياً من الدلالة، وعارياً من المعنى وممّا عدّه الكاتب أيضاً، كما ورد على الغلاف الثاني لعمله، عناصر مؤسسة للقصة القصيرة جداً، أي: ”التضاد، والأنسنة، ودقّة الملاحظة، والتناصّ، والأسطرة، والترميز، والتكثيف، والانزياح، والإدهاش، والقفلة المتميزة، والجدّة، والطرافة في الموضوع، والخصوصية في التلقّي، والعمق في الرؤيا“، وممّا ورد فيما بعد في كتابه: ”القصّة القصيرة جداً“(1997) من أركان، وتقنيات، وخصائص، رأى أنها تميز، أو يجب أن تميّز في تقديره، ذلك الشكل من أشكال القصّ. ولئن كان من الإنصاف القول إنّ في المجموعة عدداً من النصوص التي توفّر لنفسها أشلاء من حوامل الإبداع، فإنّه لمن اللافت للنظر أنّ ذلك العدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة من جهة، ولا يمتلك ما يكفي لعدّه مثالاً للنماذج الجيّدة نسبياً من تجارب ”القصّة القصيرة جداً“ من جهة ثانية.
وليست النصوص الثلاثة القصيرة جداً في مجموعة ابتسام شاكوش: ”محاولة للخروج من المجال المغناطيسي“(19) أحسن حالاً ممّا سبقت الإشارة إليه، فهي لا تعدو كونها محاولة جديدة لامتطاء الموجة / الظاهرة فحسب، بسبب ضعف الأثر الذي تتركه في ذاكرة القارئ من جهة، وخلوّها من الإيحاءات والظلال من جهة ثانية. ويعتقد المرء أنّ هذين السببين وحدهما كافيان لنفي معظم النتائج التي انتهى إليها الشاعر عبد القادر الحصني في معرض تقديمه للمجموعة، ولاسيّما قوله: ”في قصص ابتسام نجد أجواء القصّ ومناخاته: نلحظ ارتفاع مداميك الشخصيات، ونتقلّب بين أشياء المكان بأشكالها وألوانها وروائحها، ونرصد أحداثاً تزدلف إليها عناصر القصّ“. ولعلّ النصّ التالي، ”لو“، يفصح عن ذلك: ”فتح عينيه، فركهما بظاهر كفّيه، حكّ جنبه المتنمّل من الفراش، تثاءب، ثمّ عاد فاستلقى لينام من جديد، هرش رأسه. جاءته فكرة: لو كانت ساعات النوم مأجورة، لضاق البيت بأموالي“.
وباستثناء: ”القفص“، من النصوص الستة القصيرة جداً في مجموعة عدنان محمّد: ”حقل من ريح“(20)، التي لم يختر القاصّ علامة مميّزة لها، فإنّ النصوص الخمسة الباقية تبدو استجابة لوطأة اللحاق بالظاهرة أكثر منها استجابة لما هو فني / جمالي، وغالباً ما تجهر تلك السمة بنفسها عبر مكوّنين رئيسين: عدم كفاية أدوات القاصّ في التعبير عن مقاصد القصّ ومغازيه، كما في نصيّ: ”أحلام“ و”الغريب“، والمباشرة اللافتة للنظر، والمفارقة للسمة الأولى، في خواتيم عدد من النصوص، كما في: ”صبي“ و”الضحك“. وعلى الرغم من أنّ نصّ ”القفص“ نفسه لا يسلم من أذى المباشرة المشار إليها آنفاً، فإنه يبدو أوفر حظاً من سواه في هذا المجال، أي القصّ القصير جداً: ”صنع الحدّاد قفصاً جميلاً. وضع خبرة عمره في تمتينه وتزيينه. دخل إليه. أحكم إغلاق الباب خلفه. تذكّر أنّه لم يصنع مفتاحاً للخروج فجعل يتغنّى بالحرّية“.
وفيما اختارا له علامة لغوية جامعة، أي: ”مقطوعات قصيرة“، قدّمت انتصار بعلة وأيمن حسن في مجموعتهما المشتركة: ”العودة ظافراً“(21) واحداً وثلاثين نصاً قصصياً قصيراً جداً، ومنحا لكلّ نصّ علامة خاصة به. وباستثناء نصّين وربّما ثلاثة، فإنّ الأغلب الأعمّ من تلك النصوص ينتمي إلى ما هو شائع في تجارب الظاهرة، أي إلى ما يُحدث قطيعة تكاد تكون تامّة مع الفنّ الذي يمثّل الغوص على جواهر الأشياء وليس على ظلالها أحد أهمّ الخصائص المميّزة له، كما تمثّل نغمتا الفائدة والمتعة وظيفته الرئيسة حسب صاحبي ”نظرية الأدب“(22).
فالنصوص تكتفي بملامسة السطوح الخارجية للواقع، بل بظلال هذا الأخير وليس به نفسه، كما تكتفي بالإيماء الناقص إلى الجوهري فيه، حتى لتبدو أحياناً نصوصاً صمّاء ولا تمتلك ما يؤهلها لاستثارة اهتمام المتلقّي الذي تتوجه إليه. ومن أمثلة ذلك النصّ الأول، ”تآلف“: ”حاملةً سلّتها تأتي العجوز المستوحشة إلى سوق الخضار كلّ صباح. وكالعادة تمرّ على الباعة لتسألهم عن الأسعار. تستغرب ارتفاعها الجنوني مقارنة مع أيام زمان. تتحسر على حالنا، ثمّ تعود خاوية اليدين - لماذا تخرج إذن؟ - إنها تملأ السلّة بالتآلف مع الحياة“، والنصّ الثاني ”ثكنة“: ”أوقفني مع زملائي للتحقّق من هوّياتنا، ثمّ اعترض عميد الكلّية فيما بعد. فرحتُ - كلّما واجهته عند الباب الحديدي - أؤدّي التحية العسكرية“. ومهما يكن من أمر أنّ ثمّة مفارقات لافتة للنظر في خواتيم عدد من النصوص، فإنّ تلك المفارقات سرعان ما تتبدّد بانتقال القارئ إلى سواها من النصوص الأخرى، وسرعان أيضاً ما ينحسر تأثيرها في الوعي بانتهاء فعالية القراءة، وإذا كان ثمّة ما يميزها من التجارب التي تنتمي إلى الشكل نفسه في قصّ التسعينيات، فهو رهافة اللغة التي تصوغ عدداً منها، وحفاوتها بالكلّيات الإنسانية، أي بالمعاني الكبرى للوجود والحياة، وقبل ذلك كلّه تحرّرها من أوهام التجنيس.
وعلى الرغم من اكتفاء إبراهيم خريط بتجنيس نصوص مجموعته: ”حكايات ساخرة“(23) بأنها ”قصص“ فحسب، فإنّ الأغلب الأعمّ منها ينتمي إلى شكل ”القصّة القصيرة جداً“، ولئن كانت سمة الاكتفاء تلك تعني، فيما تعنيه، تحرّر القاصّ من أعراض الظاهرة، فإنها، بآن، تؤشر إلى وعيه بأنّ الجنس القصصي فنّ مفتوح لا يقيّده شكل ولا تحدّه خصائص، أيّ أنّ الكتابة التي تنتمي إلى مجاله قصّ قبل أيّ شيء. وعامة، فإنّ معظم نصوص تلك المجموعة، ولاسيّما ما ينطوي منها تحت عباءة ”القصة القصيرة جداً“، قصص بالمعنى الدقيق لفنّ القصة على الرغم من عدم تحرّر بعضها من أذى الحوافز الحرّة، ومن أمثلة ذلك هذا النصّ: ”غداً“: ”سألت الطفلة أباها، وهي تنظر إلى ثوبها الذي تهلهل نسيجه، وبهتت ألوانه: - متى تشتري لي ثوباً جديداً؟ قال الأب بحنان: غداً. - واللعبة التي وعدتني بها؟ - غداً... مساء تكوّرت الطفلة في زاوية الغرفة الوحيدة.. تحلم بالثوب واللعبة والبيت والحديقة رغم شدّة البرد وقسوة الجوع. وفي الصباح، أشرقت الشمس ورأت في عينيها دمعتين.. فتوارت واحتجبت وراء الغيوم بخجل“.
وعلى النحو المميز للنصوص القصصية الثلاثة في مجموعة ابتسام شاكوش: ”محاولة للخروج من المجال المغناطيسي“ تتجلّى مثيلاتها، القصيرة جداً نسبياً، في مجموعتها الثانية: ”إشراقة أمل“(24)، فنصّ مثل ”دفتر عائلة“، على سبيل المثال، يبدأ وينتهي من غير أن يثير لدى القارئ أيّ شيء سوى أنه وصف لسذاجة المرأة الريفية وفطريتها، ومن غير أن يتضمّن ذلك الوصف في داخله ما يشير إلى سواه، وبلغة مستقيمة الدلالة ترتهن إلى ما هو إبلاغي فحسب أيضاً: ”انتظرتِ المرأة حتى فرغتُ من تسجيل الوثيقة التي بين يديّ وابتدأت الحوار: - أهنا يعملون الهوايات (البطاقات الشخصية)؟ - نعم. - أين الموظفون هنا؟ - أنا موظفة هنا، ماذا تريدين؟ - أريد هوية لابني حسام. - هات البطاقة العائلية. رفعت ذيل ثوبها وعضّت عليه بأسنانها، رفعت ذيل ثوبها الذي يليه فعضت عليه أيضاً، دسّت يدها عميقاً في جيب سروالها، أخرجت البطاقة العائلية مغلفة بكيس من النايلون يعطيها شكل رزمة مربوطة بخيط من المطاط، وضعتها أمامي على المكتب، ثم ما لبثت أن عادت فأمسكت بها من جديد وسألتني: هل تعرفين القراءة؟ أجبتها: لا. بسرعة أعادت رزمتها إلى جيب سروالها، وقالت وهي تهمّ بالخروج: انتظري، سأذهب إلى البازار فأقف مقابل العنزات، سأبعث إليك بابني ياسر ليقرأ لك اسم أخيه حسام على دفتر العائلة“.
ولا تختلف النصوص السبعة القصيرة جداً في مجموعة القاصة الثالثة: ”بعض من تخيّلنا“(25) عمّا كانت قد قدّمته في المجال نفسه في مجموعتيها السابقتين، بل إنّ عدداً منها يضيف إلى ما سبقه هنات في اللغة على المستوى النحوي، وإذا كان ثمّة ما يُحمد للكاتبة فهو عدم منحها تلك النصوص علامة خارجية. وممّا يمكن عدّه مثالاً لمعظم السمات التي ميزت مجمل تجربتها في هذا الشكل من أشكال الكتابة القصصية هذان النصّان: ”الأطلال“: ”مرّ ابن الملوّح على الديار، ديار ليلى، ليقبّل ذا الجدارا وذا الجدار(26)، فلم يجد من الديار سوى أطلالاً(27) اتخذها السابلة مكاناً لقضاء الحاجة“، و”عروس“: ”حين كانت طفلة، كان الحلم مرآة ترى نفسها فيها عروساً في الزفّة، بعد عقود من السنين انكسر الحلم وتشظت المرآة، أصبحت سعاد عشرات العرائس، لكن بلا زفّة“.
وتتّسم النصوص العشرة القصيرة جداً التي ضمّتها مجموعة جمانة طه: ”عندما تتكلّم الأبواب“(28) بنأيها عن الأوهام نفسها في مجموعة ”العودة ظافراً“، وبجهرها بذلك عبر العلامة اللغوية الموحّدة لها، أي: ”لوحات قصصية“، كما تتّسم بانتماء الأغلب الأعمّ منها إلى النماذج المتقدّمة فنّياً في هذا الحقل من حقول الكتابة القصصية، ثمّ بحفاوتها الواضحة بعاطفة الحبّ بوصفها القيمة الأكثر ثباتاً ورسوخاً في الذات الإنسانية، وبتعبيرها عن تلك العاطفة برهافة بالغة تعزّز ما انتهى د. شاكر مصطفى إليه في كلمة الغلاف الثاني للمجموعة، أي قوله: ”البوح عند جمانة طه أشبه برائحة الأكاسيا أو زهر النارنج. يقلقك.. يغزوك.. يملؤك أنفاساً من العطر“. وسأمثّل لذلك بالنصوص الأربعة التالية التي تبدو بحقّ علامات في تجربة ”القصة القصيرة جداً“ في عقد التسعينيات: ”خيبة“: ”أية مغامرة حملتها على أن تمنحه رؤاها وأغانيها؟! أية مغامرة حملتها على أن تتأبط حبّه تميمة وتعويذة؟! لخيبتها، لم يكن سوى ظلّ رجل“. ”حبّ“: ”ولدت عمياء، وعندما أحبّت شعّ الضياء في قلبها، فزهت في عينيها الألوان“. ”تفاصيل لا معنى لها“: ”أحبّها حتى الفناء، وتجاهلته حتى العدم. وبين هذا الحبّ وهذا التجاهل حصلت تفاصيل لا معنى لها. انتهت به إلى مشفى الأمراض النفسية، وانتهت بها إلى بيت الزوجية مع رجل تحبه حتى الفناء ويتجاهلها حتى العدم“. ”جولة“: ”تمنّت لو أنها كانت معه في جولته السياحية العالمية، فقال لها: كنتِ معي دائماً، قلبي يحملك في نبضاته، في حلّه وترحاله. نبتت على شفتيها زهرات لها شكل القبلات“.
وكما يمثّل الأغلب الأعمّ من نصوص تلك المجموعة علامة في الظاهرة يبدو الأغلب الأعمّ أيضاً من النصوص الثمانية عشر القصيرة جداً نسبياً في مجموعة هيمى المفتي: ”ومضات“(29)، وإلى حدّ يمكن عدّ المجموعة معه نسيج وحدها في هذا المجال، ففعاليات الاختزال لمكوّنات القصّ في معظم النصوص لا تسلب هذه الأخيرة شيئاً من حقّ انتمائها إلى حقل القصّة القصيرة، وعلى الرغم من أنّ عدداً منها لا يوفّر لنفسه على نحو كافٍ ما يُصطلح عليه بـ”الأسلبة“، أي ما تتمّ معه ومن خلاله إعادة بناء الأحداث والشخصيات فنّياً، فإنه، بآن، لا يقصي نفسه خارج فردوس الفنّ، ولئن كانت تقنية تعدّد الأصوات وقفاً، أو تكاد تكون كذلك، على السرود الطويلة عادة، فإنّ ممّا يثير الانتباه في بعض النصوص استثمار القاصة لتلك التقنية استثماراً ناجحاً ودالاً بآن على تملّك القاصّة معرفياً وجمالياً لمعظم أدوات الفنّ. ولعلّ النصين التاليين يفصحان عن ذلك: ”الغيرة“: ”ابتسمت له برقّة متصنّعة، صافحته، وتركت يدي في يده للحظات، نظرت في عينيه بعمق وكأني شاردة، ثم سحبت يدي فجأة وكأني أستيقظ من حلم. كانت صديقتي قد حدثتني عن قريبها، شعرت به يداعب أحلام أنوثتها، وها أنا ألقاه. في ذلك اليوم تعمدت أن أتحدث إليه طويلاً، ثم تعمدت أن ألتقيه كثيراً. كنت أخاطبه بحياء مبالغ فيه، أستمع لكلماتي وكأني مبهورة، أحدثه عن حياتي، وأبدي اهتمامي الشديد بكلّ ما يهمّه. يوم صارحني برغبته في الارتباط بي طرت فرحاً، أخبرت صديقتي منتظرة أن ألمح في عينيها شيئاً منت الغيرة، فوجئت بها تهتف بسعادة: رائع! ثم مالت عليّ وهمست: أتعرفين، هنالك في حياتي رجل أيضاً، هو زميلي في العمل، وسأعرفك إليه حالاً. ذهبت معها إلى غرفته، وتعارفنا. ابتسمت له برقّة متصنعة، صافحته، وتركت يدي في يده للحظات، نظرت في عينيه بعمق وكأني شاردة، ثم سحبت يدي فجأة وكأني أستيقظ من حلم“. ”اعتذار“: ”كانت تخترع الأسباب لتلتقي به، تأتي بكامل أناقتها، يسبقها عطرها، وتتبعها أطراف الشال المتهدّل على كتفيها. تخاطبني بصوت كأنه الهمس، وترمقني بنظرات كأنها السهام، وتتحرك أمامي كأنها الدلال، وتبتسم لي وكأنها تدعوني.. كانت تحدثني عن حياتها كثيراً، وتسألني عن أشياء كثيرة تخصني وحدي، وتبتسم لكلمات الإعجاب التي أحيطها بها. ويوم صارحتها بأني أحبها أجابت وكأنها قد هيأت الرد مسبقاً: آسفة، أنا مرتبطة بشخص آخر“.
وقدّم نور الدين الهاشمي في مجموعته: ”قصة انتحار معلن“(30) ستة نصوص تنطوي جميعاً تحت علامة لغوية واحدة: ”قصص قصيرة جداً“، ويتصدّر كلّ منها علامة لغوية خاصة به. وعلى الرغم من التفاوت الواضح على المستوى الفني بين تلك النصوص، فإنّها تبدو نماذج متقدّمة فنّياً على سواها ممّا ينتمي إلى ”القصّة القصيرة جداً“ في تجربة التسعينيات، وإلى حدّ يمكن عدّها قصصاً قبل أن تكون قصصاً قصيرة جداً. وعلى الرغم أيضاً من أنّها توفّر لنفسها ما يجعل من العلامة التي توحّد بينها نافلة وليس لها ما يسوّغها سوى عنصر القصر فحسب، فإنّها لا تنجو من أسر ”الحوافز الحرّة“ كما في نصّ ”زوجة“، ومن ضعف الأثر الذي يمكن أن تتركه في القارئ كما في نصّ ”مشاجرة“. ولعلّ أكثر النصوص تلك تماسكاً فنّياً نصّ ”مباراة“: ”تبارت أربعة مكبّرات للصوت في احتلال فضاء المدينة: الأوّل لزعيم مفوّه، والثاني لواعظ ناريّ البيان، والثالث لمطرب شبابي، والرابع لشاعر يائس. ربحوا جميعاً، وخسرت المدينة فضاءها، والروح قطعةً، والوطن قطعة“.
وتتوزّع النصوص السبعة عشر، في مجموعة وفاء خرما: ”الأجنحة المتكسرة لـ س وع“(31)، التي تنضوي جميعاً تحت عباءة: ”قصص قصيرة جداً“، ويستقلّ كلّ منها بعلامة خاصة، بين أكثر من مستوى فنّي: نصوص تتجلّى بوصفها قصّاً فنّياً بمنأى عن الشكل الذي اختارته القاصة لها، كما: عمياء، وسهو، وانتقام، وأخرى لا توفّر لنفسها ما يجعل منها فناً، كما: تراجع، والحبّة الزرقاء، وكاتب، والحبيب الأول، وثالثة تترجّح بين المستويين الأوّل والثاني، كما: عجز، وحسرة، وصرخة، ورؤيا. وسأكتفي بالتمثيل لكلّ مستوى بنصّ فحسب: ”عمياء“: ”ندبت الفتاة العمياء أمّها المسجاة على فراش الموت قائلة: كيف انطفأت عيناك وقد رأيت بهما الدنيا؟“. ”الحبّة الزرقاء“: ”تساقطت دموع العذراء المقدّسة وهي تتأمّل الحبّة الزرقاء، وتمتمت بحزني: أبثوبي الأزرق الجميل تغطّون هذه القذارة؟“. ”حسرة“: ”فوق المكان الذي اعتاد الجلوس فيه أحدث اختراق رصاصة طائشة ثقباً في السقف القرميدي، ولمّا كان هذا قد حدث في غيابه فقد ردّد وهو ينظر إلى الثقب متحسراً: يا لسوء حظّي!“.
واكتفى صالح سميّا في مجموعته: ”الصمت“(32) بتقديم نصّ قصصي واحد ينتمي إلى الشكل نفسه، كما اكتفى بمنحه علامة لغوية عامّة هي: ”قصّة قصيرة جداً“. وممّا يميّز ذلك النصّ ليس جهره، في خاتمته، بواقعيّة محكيّه فحسب، بل توفيره لنفسه مجمل مكوّنات القصّة القصيرة أيضاً، وليس ما عدّه القاص ”قصّة قصيرة جداً“، فثمّة، على سبيل المثال، أحداث، وشخصيات، وفضاء جغرافي محدّد تنتمي إليه تلك الأحداث والشخصيات وتتحرّك في مجاله، كما ثمّة لحظة تنوير بالمعنى التقليدي للقصة القصيرة. الأمر الذي يفصح عن قلق معرفيّ واضح، ليس لدى القاصّ وحده بل لدى الأغلب الأعمّ من كتّاب ذلك الشكل، بخصائص هذا الأخير، وتخومه، ومكوّناته، وبما يميزه من سواه من أشكال القصّ الأخرى من جهة، وبما يجعل منه فعالية حكائية مستقلّة بنفسها من جهة ثانية.
وضمّت مجموعة أمية الجاسم العبيد: ”عسلها مرّ“(33) خمسة نصوص قصيرة جداً تبدو جميعاً استكمالاً للظاهرة / الحمّى، ومن أمثلة ذلك نصّ ”لعبة الموت“ التالي، الذي يغادره القارئ كما لو أنه لم يكن قد قرأ شيئاً: ”- والله لن أسمح لك بدخول بيتنا حين يموت بابا. قالها الطفل ببراءة، وكأن الموت لعبة سيشتريها له أبوه. وبعد أيام قليلة هُرع الجيران يتزاحمون ليكتشفوا أمر الصياح الذي اندلع فجأة بالحارة. ابتسمت الجارة وهي تسحب ابنها إلى الداخل قائلة: - تعال، لن يسمح لك صديقك بدخول بيته لأنك طردته يوم مات أبوك“.
ومع أنّ ضياء قصبجي، في مجموعتها: ”إيحاءات جديدة“(34) التي أخلصت نصوصها كافة لشكل ”القصّة القصيرة جداً“، كانت قد حقّقت تقدّماً نسبياً في التعبير عن مؤرقات القصّ لديها عبر ذلك الشكل، إلا أنّ المجموعة عامة لم تفلت من قبضة ما اتسمت به مجموعتها: ”إيحاءات“.
وعلى النحو نفسه بدت مجموعة ابتسام شاكوش الرابعة: ”الشمس في كفّي“(35) التي ضمّت خمسة نصوص قصيرة جداً لم تضف جديداً إلى تجربة كاتبتها في هذا المجال، ولعلّ نصّ ”حتى النجوم“ التالي يمكن أن يكون مثالاً لذلك: ”تبّاً لكم، ولحضارة ليس فيها ما يفيد. تبّاً لمأكولاتكم التي توهن القوى وتضعف البصر، في الماضي كنت أقطع هذا الوادي خلال دقائق، أمّا الآن.. تابع العجوز سيره حتى اجتاز عتبة البيت، ثبت عكّازه على الأرض، ركّز نظارته على أرنبة أنفه، ضيّق فتحة عينيه ونظر إلى السماء، حتى السماء ما عاد فيها نجوم كمثل ما كان في زماننا“.
وعلى الرغم من أنّ العنوان الفرعي لمجموعة فوزية جمعة المرعي: ”بحيرة الشمع“(36)، أي: ”مجموعة قصصية“ ينفي عن النصوص الأربعة والثلاثين المكوّنة للمجموعة انتماءها إلى شكل بعينه من أشكال القصّ، بمعنى أنه لا ينهض بأداء الوظيفة الثانية من الوظيفتين المميزتين للعناوين الفرعية عادة: التبعيّة، والتوضيحية(37)، فإنّ النصوص نفسها تجهر بانتمائها إلى شكل ”القصّة القصيرة جداً“، ليس بسبب عدم تجاوز الأغلب الأعمّ من كلّ منها نصف الصفحة من القطع المتوسط فحسب، بل بسبب الصلة الوثيقة للأغلب الأعمّ منها أيضاً بمجمل السمات التي ميّزت تجارب ”القصّة القصيرة جداً“ في عقد التسعينيات، والتي كان من أبرزها نأي معظم تلك التجارب عن القصّ بمعناه الفنّي. فبالإضافة إلى القلق الأسلوبيّ الذي تعانيه اللغة، والذي يكاد ينتهي بالقارئ، أحياناً كثيرة، إلى لا شيء، تغصّ متون النصوص، على قصرها، بالعناصر الميتة من جهة، وبما هو غير ذي دلالة من جهة ثانية. ويمكن أن أمثّل لذلك بالنصّ التالي الموسوم بـ”شظايا البللور“: ”تفصل بينهما نافذة زجاجية. رقص قلباهما للحبّ. تحوّلت مسامات جسديهما إلى فوّهات بركانية. تشظّى الزجاج. جفلت قطعة تكفي ليمدّ كلٌ منهما يده للآخر. ألصقت وجهها بالزجاج. تدحرجت شظايا البللور تغرق بوابل عينيها تلاشت الحواجز البللورية. مدّ يديه يطوّقها. ظلّت تنشج تراتيل الحبّ على صدره. قفز يحتضنها. التصقا يدثّرهما العناق بعباءة مخملية. ظلا مسمّرين لوحة تشكيلية يضمّهما إطار النافذة“.
وثمّة في مجموعة محمّد منصور: ”سيرة العشّاق“(38) خمسة نصوص قصيرة جداً، تتصدّرها علامة لغوية كبرى: ”بكاء على الأطلال“، فعلامة صغرى: ”قصص قصيرة جداً“، ولكلّ نصّ علامة خاصة به. وباستثناء النصّ الخامس: ”مونولوج الحكواتي الأخير“، فإنّ ممّا يوحّد بين النصوص الأربعة حدث البكاء الذي يتجاوز استهلالات القصّ إلى متونها من جهة، وبرودة الأثر الذي تتركه في القارئ من جهة ثانية. وهي، كما تبدو جزءاً من تجلّيات الظاهرة على المستوى الفنّي، أي ما يشير إلى غلبة النماذج الناحلة جمالياً على النماذج المعافاة جمالياً، تبدو بآن مثالاً لإغراءات الجديد بوصفه جديداً فحسب. ويمكن استثناء نصّ ”جدران الطين“ التالي نسبياً من ذلك: ”بكت جدران البيت العتيق حين كان معول الهدم يستبيح دفء طينها، وحنوّ ترابها، وذكريات عاشقين سطّرا على ملمسها ضوع الأمنيات في ذلك الزمن المنسي الذي غفا على نبض سواعدهما. بكت أطلال البيت القديم وهي ترمق بصمت وألم حجارة الإسمنت التي بدأت تنتشر كجند الاحتلال، ثمّ أخذت تعلو دونها، فيما هي تلقي نظرة الوداع الأخيرة على المكان منتظرة موعد الرحيل على متن سيارة الأنقاض في زمن المنفى“.
وعلى عادة معظم كتّاب ذلك الشكل من أشكال القصّ اختار محمّد محيي الدين مينو للنصوص السبعة القصيرة في مجموعته: ”أوراق عبد الجبار الفارس الخاسرة“(39) علامة مركزية: ”قصص قصيرة جداً“، ومنح لكلّ نصّ علامة خاصة به. ولئن كان ممّا اتّسم به عدد من تلك النصوص استعادته لمؤرّقات القصّ التامري (نسبة إلى زكريا تامر) وتقنياته، فإنّ ممّا اتسم به الأغلب الأعمّ منها تعبيره عن سقوط معظم تجارب ذلك الشكل تحت وطأة الرغبة في إنجاز كتابات تنتمي إلى مجاله وليس استجابة لضرورات فنّية منبثقة من داخل النصوص نفسها. ولعلّ النصّ التالي، ”جيش صلاح الدين الأيوبي“، الذي يبدو إعادة إنتاج لتجربة زكريا تامر، يقدّم نموذجاً لذلك: ”سأل معلّم تلاميذه: - ماذا تودّون أن تكونوا في المستقبل؟ فقال أحدهم: - أنا جائع، أريد أن أصبح رغيف خبز. وقال آخر: - أنا يتيم، أريد أن أصير أباً. وقال ثالث، وهو يرفرف بجناحيه: - أنا عصفور، أحبّ الحرّية، وأكره الأقفاص، ولن أكون في المستقبل إلا عصفوراً. وحين لاحظ المعلّم أنّ سامراً لم ينبس بكلمة، اقترب منه وربّت على كتفه، وسأله: - بمَ تفكّر يا سامر؟ ماذا ستكون في المستقبل؟ فكّر سامر هنيهات، وقال: - أريد أن أكون صلاح الدين الأيوبي. عندئذ صفّق التلاميذ لسامر، وصمّموا أن يكونوا من فورهم جنوداً في جيش صلاح الدين الأيوبي“.
تركيب:
ليست ”القصّة القصيرة جداً“ جنساً أدبياً، بل هي شكل من أشكال الكتابة القصصية، الذي يتطلّب موهبة تكاد تكون استثنائية، ومخزوناً معرفياً عالياً بالجنس الجذر من جهة، وبالمنجَز القصصي العربيّ والعالميّ من جهة ثانية. وإذا سلّم المرء بأنها بدأت تشكّل فعالية إبداعية مميّزة، فإنّ ممّا لا يمكن التسليم به بأنها جنس أدبيّ له مكوّناته، وعناصره، وأركانه، ومقومّاته الخاصة به. ليس لأنّ ظهور أيّ جنس أدبي جديد يتطلّب مهاداً اجتماعياً، وثقافياً، وسياسياً، واقتصادياً فحسب، بل لأنّ تاريخ الأدب يؤكّد أيضاً أنّ نشأة الأجناس الأدبية ارتبطت بتحوّلات جذرية على تلك المستويات كافّة، أي: الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والاقتصادية، وهو ما لم يحدث، ولا يمكن ادّعاء حدوثه، ليس في سورية فحسب بل في الوطن العربيّ عامة، وفي السنوات العشر الأخيرة خاصة، التي أرغِمَت ”القصّة القصيرة جداً“ فيها وخلالها على إثارة ذلك الصخب كلّه في المشهد الثقافي الراهن.
لقد رأى أحمد جاسم الحسين ومحمّد محيي الدين مينو، في معرض محاولات تأصيلهما لذلك الشكل، أنّ للأخير مكوّنات، وعناصر، وأركاناً، ومقوّمات تخصّه وتميّزه من سواه من أشكال الكتابة الفنية الأخرى، وغير خاف أنّ تلك المكوّنات والعناصر والأركان التي عدّداها، الأوّل في: ”القصّة القصيرة جداً“(1997)، و الثاني في: ”فنّ القصّة القصيرة، مقاربات أولى“(2000)، سمة الإبداع عامة، وليست سمة جنس أدبيّ بعينه. فباستثناء ”القصصية“ التي رأى الحسين أنها الركن الأول من الأركان المؤسسة لذلك الشكل، والتي لا تخصّ ”القصة القصيرة جداً“ وحدها بل تمتد لتشمل فنون السرد كافة، فإنّ: الجرأة، ووحدة الفكر والموضوع، والتكثيف، وسواها ممّا اصطلح عليه بالعناصر، لا تعني ”القصّة القصيرة جداً“، ولا تميزها، بل تعني مجمل فنون القول: قصة، ورواية، وشعر، ومسرح، و..
إنّ القصّة قصّة قبل أن تكون قصيرة أو قصيرة جداً أو سوى ذلك ممّا قد يتمخض عنه المستقبل من علامات لغوية جديدة في هذا المجال، وعنصر الطول أو القصر فيها سمة خارج نصّية ولا تعني شيئاً في الممارسة النقدية،
كما أنّ ”تجنيس“ النصوص الأدبيّة عامّة، وليس القصّة وحدها، فعالية وصفيّة وإجرائية ليس غير، ولا تتضمن في داخلها أيّ معيار نقدي، أو أي حكم قيمة للنصّ، فانتماء الأخير إلى الجنس الروائي، مثلاً، لا يمنحه امتيازاً من سواه من الأجناس الأدبية الأخرى. وقد يكون مفيداً الإشارة في هذا المجال إلى ما كان توفيق الحكيم قد اصطلح عليه بـ”مسرواية“ لنصّه: ”بنك القلق“(1971)، الذي لم يلتفت إليه أحدٌ من المبدعين والنقّاد على حدّ سواء، كما لم يعد الحكيم نفسه إلى الكتابة في مجاله بآن.
وتأسيساً على ذلك، فإنه يمكن القول: ليس كلّ نصّ سردي قصير جداً ”قصّة قصيرة جدّاً“، كما أنّ ليس كلّ نصّ شعري موقّع داخلياً فحسب قصيدة نثر، وليس..، فما يمنح النصّ هوّيته، أو انتماءه إلى جنس أدبيّ بعينه، مكوّنات متعدّدة، بل مجموعة من الحوافز، بتعبير الشكلاني الروسي ”توماتشفسكي“. لقد انتهت، وربّما إلى غير رجعة، تلك الأطروحات التي تزعم كفاءتها في تعريف الجنس الأدبيّ على نحوٍ جامعٍ مانع قاطع، ولم يعد ممكناّ القول إنّ الرواية، مثلاً، فنّ نثري تخييلي طويل نسبياً، وإنّ القصّة القصيرة هي الفنّ الحادّ باستيحاش الإنسان، و..، فالنصّ الأدبيّ المبدَع (بفتح الدال) حقّاً هو الذي يبتكر تعريفه، كما يبتكر قوانين مقاربته النقدية، بمعنى أنّه لا ينصاع إلى قوانين سابقة عليه، الأمر الذي مثّلَ أوّل هواجس السرديّات المعاصرة، وإنجازاتها النقديّة، وشواغلها، أي البحث عن ”أدبيّة“ النصّ، أو عمّا يمكّن هذا النص من امتلاك ما سمّاه الناقد البلغاري الأصل ”تودوروف“: ”حقّ المثول في تاريخ الأدب“. بمعنى أنّ ”أدبيّة“ النصّ هي المعيار الأساس لانتماء هذا النصّ أو ذاك إلى حقل الأدب، ولا امتياز له خارجها.
إنّ القصة القصيرة جداً لا تتحدّد بطولها، ولو كان الأمر كذلك لعدّ المرء مجموعات كثيرة تنتمي نصوصها إلى هذا المجال، بل بكفاءة مبدعها في اختزال مكوّنات القصّ على نحوٍ جمالي، وفي استيفاء النصّ لشروط استمراره، بدرجات متفاوتة، في ذاكرة المتلقي، ولمقاصده، وفي رؤياه للواقع بمستوييه الراهن والممكن حوله.
لقد ألحق معظم تجارب الـ”ق. ق. ج“، ولاسيّما ملتقياتها الخمسة، تشويهاً واضحاً بالذائقة الأدبية، ومهما يكن صحيحاً أنّ من حقّ الناس جميعاً الكتابة والنشر واعتلاء المنابر والتجريب أيضاً بدعوى أنّ ”الفنّ بذاته وتعريفه مغامرة مستمرّة واختراق مستمرّ ومهاجمة للمستحيل“(40)، فإنّ الأكثر صحّة أنّ عدداً غير قليل ممّن أصابتهم الحمّى لم يكن يدرك، كما يبدو، أنّ ثمّة فروقاً صارمة ”بين الفوضى والحرّية، بين الإبداع والتخبّط“(41).
إنّ راهن الظاهرة ينفي تماماً أنّ ثمّة مستقبلاً لها، وإذا كان ثمة من مستقبل فلن يكون بالتأكيد من صنيع أولئك الذين ينتمون إلى حقل ”الكتّاب“(Les Écrivants) حسب تمييز ”بارت“ بين الكاتب والمؤلّف، والذين لا مخزون معرفياً كافياً لديهم بمعنى الإبداع، ووظائفه، وحوامله، وبتاريخ الأدب، وبعوامل نهوض الأجناس الأدبية الجديدة ومقوّمات بقائها واستمرارها، وقبل ذلك كلّه من صنيع ممّن لا موهبة لديهم في الأصل.
- هوامش وإحالات:
1- انظر، على سبيل المثال: صحيفة ”البيان“ الإماراتية. العدد (95) آب / أغسطس 2000.
2- نجم، مفيد. صحيفة ”البيان“ الإماراتية. الأحد 12 / 8 / 2001.
4-
انظر: الحسين، أحمد جاسم. ”القصة القصيرة جداً“. ط1. دار عكرمة، دمشق 1997. ص (110) وما بعد. وانظر أيضاً: مينو، محمد محيي الدين. ”فنّ القصة القصيرة، مقاربات أولى“. ط1. منشورات مدرسة الإمام مالك، دبي 2000. ص (42). ولعلّ مجموعة محمّد النجّار الثانية: ”همسات بردى“(1950)، التي ضمّت خمساً وعشرين قصة ولوحة قصصية لم يكن عدد منها يتجاوز الصفحتين، هي أوّل مجموعة قصصية سورية ينتمي عدد من نصوصها إلى ذلك الشكل من أشكال القصّ.
5-
بارت، رولان. جينيت، جيرار. ”من البنيوية إلى الشعرية“. ترجمة: د. غسان السيّد. ط1. دار نينوى، دمشق 2001. ص (73)
6-
لوجون، فيليب. ”أدب السيرة الذاتية في فرنسا، المفاهيم والتصوّرات“. ترجمة: ضحى شبيحة. مجلة ”الثقافة الأجنبية“. العدد (4) / 1980. وزارة الإعلام بغداد، ص (39).
7- الحاج صالح، د. محمد. ”يوم في حياة مجنون“. ط1. دار الحوار، اللاذقية 1990. وصدرت طبعة ثانية عن الدار نفسها سنة 2000.
8- المجموعتان كلتاهما صدرتا عن دار الحوار، اللاذقية. الأولى سنة 1993، والثانية سنة 1995.
9-
للتوسّع، حول تجربة القاصّ في هذا المجال، انظر: الحسين، أحمد جاسم. ”القصّة القصيرة جداً“. ص (123) وما بعد.
10- السيّد أحمد، عزّت. ”الموت بدون تعليق“. ط1. دار الأصالة، دمشق 1994.
11- قصبجي، ضياء. ”إيحاءات“. ط1. الندوة النسائية، دمشق 1995.
12- الحسين، أحمد جاسم. ”القصة القصيرة جداً“. ص ( 49 ).
13-
كيّالي، نجيب. ”ميّت لا يموت“. ط1. وزارة الثقافة، دمشق 1996.
14- انظر: إيكو، أمبرتو. ”القارئ في الحكاية..“. ترجمة: أنطوان أبو زيد. ط1. المركز الثقافي العربي، بيروت 1996. ص (28).
15- محمّد، فراس سليمان. ”الأشعث والرجل الضئيل“. ط1. وزارة الثقافة، دمشق 1996.
16- إبراهيم، نجاح. ”حوار الصمت“. ط1. مؤسسة علا، حمص 1997.
17- الحسين، أحمد جاسم. ”همهمات ذاكرة“. ط1. إصدار خاص، دمشق 1997.
18- الحلبي، عصام. صحيفة ”البيان“ الإماراتية. العدد (95) آب / أغسطس 2000.
19-
شاكوش، ابتسام. ”محاولة للخروج من المجال المغناطيسي“. ط1. مطبعة عكرمة، دمشق 1997.
20- محمّد، عدنان. ”حقل من ريح“. ط1. إصدار خاص، طرطوس 1997.
21-
بعلة، انتصار. حسن، أيمن. ”العودة ظافراً“. ط1. دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة 1998. والمجموعة كانت قد فازت بالجائزة الثانية في مسابقة الشارقة للإبداع، الإصدار الأول، الدورة الأولى 1997.
22-
انظر: ويليك، رينيه. وارين، أوستن. ”نظرية الأدب“. ترجمة: محيي الدين صبحي. ط3. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1985. ص (31).
23-
خريط، إبراهيم. ”حكايات ساخرة“. ط1. اتحاد الكتّاب العرب، دمشق 1998.
34-
شاكوش، ابتسام. ”إشراقة أمل“. ط1. وزارة الثقافة، دمشق 1998.
25-
شاكوش، ابتسام. ”بعض من تخيّلنا“. ط1. إصدار خاص، الحفّة 1998.
28-
طه، جمانة. ”عندما تتكلّم الأبواب“. ط1. اتحاد الكتّاب العرب، دمشق 1998.
29- المفتي، هيمى. ”ومضات“. ط1. دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة 1998. وتجدر الإشارة إلى أن المجموعة كانت قد فازت بالجائزة الثانية في مسابقة الشارقة للإبداع، الإصدار الأول، لعام 1997.
30-
الهاشمي، نور الدين. ”قصة انتحار معلن“. ط1. اتحاد الكتّاب العرب، دمشق 1998.
31- خرما، وفاء. ”الأجنحة المتكسرة لـ س وع“. ط1. دار الحقائق، حمص 1999.
32- سميّا، صالح. ”الصمت“. ط1. دار المنارة، اللاذقية 1999.
33-
العبيد، أمية الجاسم. ”عسلها مرّ“. ط1. إصدار خاص، دمشق 1999.
34- قصبجي، ضياء. ”إيحاءات جديدة“. ط1. اتحاد الكتّاب العرب، دمشق 1999.
35- شاكوش، ابتسام. ”الشمس في كفّي“. ط1. دار علاء الدين، دمشق 1999.
36- المرعي، فوزية جمعة. ”بحيرة الشمع“. ط1. إصدار خاص، الرقّة 1999.
37- للتوسّع، انظر: حمداوي، د. جميل. ”السيميوطيقا والعنونة“. مجلّة ”عالم الفكر“. العدد (3) يناير / مارس 1997.
38- منصور، محمّد. ”سيرة العشّاق، سيرة مختلقة لعشّاق واهمين“. ط1. دار الجندي، دمشق 1999.
39- مينو، محمد محيي الدين. ”أوراق عبد الجبّار الفارس الخاسرة“. ط1. اتحاد الكتّاب العرب، دمشق 1999.
40- الخرّاط، إدوار. ”الكتابة عبر النوعية، مقالات في ظاهرة القصّة – القصيدة“. ط1. دار شرقيات، القاهرة 1994. ص (14).
41- المرجع السابق، الصفحة نفسها.
|